ثقافة وفن

معرضٌ يحتفي بالفنان التشكيلي إيتيان دينيه بمعهد العالم العربي بباريس

يتواصلُ إلى 9 يونيو المقبل بمعهد العالم العربي معرضٌ بعنوان “إيتيان دينيه.. شغف الجزائر”، وذلك بعرض مجموعة من أعمال الفنان التشكيلي إيتيان دينيه (1861-1929)، وهو أحد الرسّامين الشرقيين النادرين الذين نجوا من اتهامات الغرابة والنظرة الاستعمارية، وأصبحت أعماله واحدة من الهويات البصرية للجزائر بعد الاستقلال. واستكشف أعماله واستشعر الحب المشتعل الذي حفظه للجزائر التي استوطن أرضها واعتنق ودينها وقضيتها.

وُلدَ إيتيان دينيه عام 1861 في أسرة مثقفة من محاميين باريسيين. وتحوّل عن طريق عائلته الموجّهة أساساً نحو دراسة القانون، فخالف إرادتهم بدراسة الحقوق بعد الخدمة العسكرية، مختاراً الرسم والالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة. انضم سريعًا إلى أكاديمية جوليان، حيث درّسه ويليام بوغورو، لكنه لم يعترف إلا بريمبراند ودلاكروا. عارض التكيف مع الأكاديمية السائدة، وبحث عن معلّميه في الواقعية التي مثلها جان فرانسوا ميليه أو جوليان بستيان ليباج، وشغف بالتصوير الفوتوغرافي. شارك مع الانطباعيين في البحث عن الضوء ورسم المشهد، كما ظهر ذلك في أعماله الأولى في المعارض عام 1882 و1883.

اكتشاف الجزائر

اكتشف الجزائر عن طريق الصدفة عام 1884، حين رافق صديقه لوسيان سيمون الذي كان يسافر إلى الجزائر بحثًا عن نوع نادر من الخنافس. تبع هذه الرحلة الأولى شهر آخرٌ في العام التالي، برفقة غاستون ميجيون، المروّج المستقبلي لفنون الإسلام في متحف اللوفر. بعدها قضى إيتيان دينيه عقدين من عمره، يذهب فيها كلّ صيف إلى الجزائر لرسم واحات جنوبها. عام 1895، تنازل عن أيّ مصدر إلهام خارج القضايا الجزائرية. وعام 1904، استقرّ في واحة بوسعادة، حيث اشترى منزلًا له شرفة يمكنه من خلالها مشاهدة عالمه المفضّل. اهتمّ إيتيان دينيه، الذي كان يشغله التصوير، برسم لحظات الحياة، كجريان الماء والنباتات، والصحراء وسكانها.

بعيدًا عن الشرق المتخيّل 

قطع دينيه مراحل حياته الثلاث، وكأنه يقطع شظايا من الواقع، بعيدًا عن الصورة المتلألئة للشرق المتخيل. فابتعد عن النهج الاثنوجرافي، والتصق عمله الدقيق بالتفاصيل الحقيقية دون زيف، حيث مثل دون تصنّع التعابير والحركات، والتشنجات، واللباس والمجوهرات. بالطبع، لم يرسم أكثر جوانب الشرق المتخيل تفاخرًا، ولا يظهر أيّ مشهد للحريم في أعماله. مع ذلك، ترسم ريشته الصحراء كجنّة وتظهر النساء كأنماط مثالية أو كآلهة ساحرة. وبعيدًا عن العالم المثالي الذي يصوّره أوروبيو تلك الفترة، رسم أيضًا العنف والفقر واليأس والتواضع، بالتساوي الفرح والشجاعة والكرامة.

الإيمان والالتزام

أثناء إقامته في بوسعادة، استخدم إيتيان دينيه تأثيره للتدخل لصالح السكان الأصليين، سواء لدى السلطات المحلية أو حتى لدى الحكومة العامة للجزائر. عام 1912، نجح بصعوبة في تحويل بوسعادة من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية. احتلّ الإيمان الإسلامي مكانًا مهمًا في أعمال الرسام مثل المواقع أو الشخصيات. وسواء كانت فردياً أو جماعياً، يظهر الإيمان مجموعة من التصرُّفات أو التعبيرات المعيشة. واعتنق دينيه رسميًا الإسلام عام 1913، تحت اسم ناصر الدين. وشكّل اندلاع الحرب عام 1914 مرحلة جديدة في التزامه، حيث قام بدور مهمّ في نضاله من أجل المسلمين الذين شاركوا على الجبهات، فطالب بإنصاف الجنود الجزائريين، وعودة الجرحى منهم إلى وطنهم، واحترام الطقوس الإسلامية في الدفن. أدّى إيتيان دينيه مناسك الحج في مكة عام 1929، أي قبل وفاته في نفس العام. عند وفاته، دُفِنَ وفقًا لرغبته في بوسعادة، واحتفلت به فرنسا كفاعل رئيسي في التقارب بين فرنسا والإسلام؛ حيث أصرّ الرئيس بول دومير على افتتاح المعرض التذكاري الذي خصّص له، سنة بعد وفاته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى