حوارات

مصطفى بوسنة.. “أستلهمُ أجواء الأسطورة لأُعبّر عن أحلام رجل عاديّ”

تدور تجربة الفنان التشكيليّ الجزائري، مصطفى بوسنة، وهو من مواليد عام 1967، بمدينة برج بوعريريج (شرق الجزائر)، حول مواضيع الجمال، وتنوُّع الحياة؛ فهو يحاول أن ينقل أفراح، وأحزان، وأحلام عوالمه، التي هي في الأخير “أحلامُ رجل عاديًّ”، مثلما يُحبُّ أن يُعبّر عن ذلك.

ويقول مصطفى بوسنة، لموقع “24 ساعة”، “أستلهمُ وأستعيرُ شخصيات لوحاتي من التاريخ الإنساني عبر حضاراته المختلفة، قديما وحديثا، بكلّ تراثها الجماليّ؛ من شعر، وموسيقى، وفكر، وفن. كما أستلهم أجواء الأسطورة والشعر ذي المحتوى الإنسانيّ الصوفيّ، فضلا عن اعتمادي، في إبداعاتي الجمالية، على استعمال كثافة الخطاب الرمزي، وذلك لإعطاء ثراء لمحتوى اللّوحة وتجنيبها الخطاب الواقعي المباشر الذي يفتقد لكلّ سرًّ ومعنى خفيّ، ناهيك عن ابتذاله في الكثير من الأحيان”.

ويؤكّد بوسنة أنّ التنميق والزخرفة الملامسة للتجريد تعطي أناقة لأعماله، وهي ملامسةٌ معقّدة ذات شفافيات وتفاصيل تقنية ثرية مع الكثير من الخيال.
وفي هذا السياق، يُشير ابن مدينة برج بوعريريج، بالقول “أستلهم من فنّ الأيقونة كما أستلهم من المنمنمة الإسلامية، والجدارية الأشورية والمصرية، إلى آخر ذلك”.

ويعتبرُ مصطفى بوسنة بأنّ المشرق، بمفهومه الواسع، هو خزّانه الجماليّ بامتياز؛ بداية من آسيا الوسطى، ومرورًا ببلاد فارس، والهند، واليابان القديم، والصين، وفوق كلّ ذلك، منطقة شمال أفريقيا، بشكل خاصّ، بمحمولاتها الثقافيّة الأمازيغية، والعربية الإسلامية.
وإذا كانت المنطلقاتُ الفنيّة لهذا الفنان تنصهرُ كلُّها في بوتقة المنجزات الفنيّة البشرية التي خلّفها الإنسان القديم، وتنهلُ منها، فإنّ منتهى العمليّة الإبداعيّة لدى مصطفى بوسنة، تتجلّى في محاولة محمومة تهدف إلى معانقة الجمال، وهو يُعبّر عن ذلك بالقول “أحاول أن أُبدع عالمًا حالمًا جميلا كلُّه إثارة للخيال، أسترجع فيه كنوز الإنسانية المفقودة، بعيدا عن الحروب، والكراهية، والعنصرية”.

ولا تقف الفلسفة الفنيّة لدى بوسنة عند هذا الحدّ، بل تتعدّى ذلك إلى مدى أرحب، وهو ما يُمكن الوقوف عليه في قوله “هناك وجهُ شبه بين الوجود البشريّ في مرحلته الأسطورية، وبين الوجود البشري في حالات الفن؛ والإنسان يتمثّل الوجود على صُورته ويُفسّر الواقع تفسيرًا حيويًّا، يتبيّن لنا الفنّ حالة من حالات الإنسان التي يتواصل فيها مع حقائق الوجود ويضفي إلى كلّ شيء في الكون، ويصل لجوهر ذاته، ويصبح كُلاًّ مُوحّدا”.

ولتوظيف الرموز التاريخية في أعمال الفنان مصطفى بوسنة دلالته القصديّة؛ إذ به يزداد المعنى عُمقا، ناهيك عن كونه يزيدُ العمل الفنيّ حيوية، بما يُعبّرُ عن انفتاحه على كلّ التجارب، مهما كانت منابتُها. كما أنّ توظيف الأسطورة في أعماله الفنيّة جزءٌ أصيلٌ من الملحمة الإنسانية، وهي تمكّنُ المشاهد من الغوص في عمق التراث الإنساني الذي يملكه الإنسان داخله، وتوقظ لديه الصّلة الأصليّة بالكون، وعلاقة الانسجام والتناغم معه.

وتستندُ العمليّة الإبداعيّة لدى التشكيليّ مصطفى بوسنة إلى خبرات نظرية تراكمت لديه، منذ فترة التحاقه طالبًا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر (1984/1989)، والتي تُوّجت بالحصول على شهادتي الكفاءة الفنيّة، والشهادة الوطنيّة للفنون الجميلة، ثمّ سرعان ما تعمّقت تلك الخبرات بانضمامه مجدّدًا للدراسة بالمدرسة العليا للفنون الجميلة (1989/1992)، والتي تحصّل فيها على شهادة التعليم الفنّي العالي، قبل أن يلتحق، منذ عام 1989، كموظف بوزارة التربية الوطنية، ثم اشتغل أستاذًا بالمعهد التكنولوجي لتكوين الأساتذة.

أمّا عن خبراته العمليّة، فقد شارك مصطفى بوسنة في ورشات فنيّة عديدة، كما أقام العديد من المعارض، الجماعيّة والفردية، داخل الجزائر وخارجها، وكان آخرها معرضٌ أُقيم بالدوحة (قطر)، فضلًا عن تقديمه العديد من المحاضرات والكتابات النقدية في ميدان الفن التشكيلي، وهو حاليًّا بصدد العمل على إنجاز مشروع كتاب حول الفنّ التشكيليّ الجزائريّ الحديث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى