سياسة

مستقبل سلطة أوسلو الفلسطينية

دكتور/ وليد عبد الحي

لست محتاجا لرصد الاتجاه الأعظم للمقاومة الفلسطينية من 1965 الى الآن، فهو من الوضوح الى الحد الذي يدركه أي متابع، أنه اتجاه متذبذب لكنه في مساره العام يشير الى ثلاثة مظاهر هي :

1- التخلي المموه عن هدف التحرير .

2- الانشطار والتصارع بين التيار الديني والتيار القومي و الاممي من ناحية وتيار أوسلو من ناحية ثانية .

3- الخسران التدريجي للبيئة العربية المساندة من خلال التطبيع المتواصل سرا وعلانية بين الأنظمة العربية الرسمية وإسرائيل .

ورغم محاولات لجم هذه الأبعاد الثلاثة من خلال تشبث بعض التنظيمات لاسيما الدينية واليسارية (قومية أو أممية) بهدف التحرير، ومن خلال محاولة محور المقاومة وقاعدته طهران تعويض البيئة العربية الرسمية المنسحبة من الصراع والعمل على استمرار المنطلق التاريخي للثورة الفلسطينية، فان البيئة الدولية من خلال النموذج غير الصفري في إدارة العلاقات الدولية، وتنامي النزعة البراغماتية على حساب المنظور الآيديولوجي، وعجز أغلب الكيانات عن التكيف مع إيقاع التغير المذهل، زادت من حرج وضع المقاومة الفلسطينية وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع كل هذه الاثقال وأوزارها السياسية.

ومن الطبيعي والحالة هذه، أن ينعكس ذلك كله وبشكل أكثر عبئا على القطاع الرخو في بنية المقاومة الفلسطينية وهو “سلطة أوسلو” التي هي تعبير مكثف عن الاتجاه الأعظم الذي أشرنا له، وهو ما يستدعي التساؤل الأهم وهو: ما هو السيناريو المرجح في مستقبل “سلطة أوسلو”؟

أولا: أدبيات الموضوع : هناك عشرات الدراسات الاكاديمية التي تناولت الصراعات والانقسامات داخل ثورات التحرر الوطني، ولعل دراسة رشيد الخالدي وعنوانها The Iron Cage) ) تمثل نموذجا لهذه الأدبيات، إضافة لدراسة ستانلي كارناو (Stanley Karnow-Vietnam : A History-1983) او كتاب Alistair Horne وموضوعه :

A Savage War of Peace- Algeria 1954-1962 الصادر عام 1977، إضافة للدراسة المتميزة ل

Jeremy M. Weinstein وموضوعها Inside Rebillion-The Politics of Insurgent Violence

الصادرة عام 2006، وهي تبحث بعمق أسباب التنازع داخل الحركات الثورية، وهناك العشرات من الدراسات الأخرى حول الموضوع. ويمكن تحديد أسباب التنازع في داخل الثورات في هذه الدراسات في: التنازع بين الجناح العسكري والسياسي، التباين الأيديولوجي بين قوى المقاومة أو الثورة، دور التدخل الخارجي، التنافس على الموارد والتمويل، تأثير الثقافات الفرعية في بنية “مجتمع قوى الثورة”، الانتقال من حالة “الثورة” الى حالة “السلطة أو الدولة”، وهي أسباب توافرت كلها في بنية الثورة الفلسطينية، وتستغلها أطراف أوسلو تماما، كما انهم يتكئون على الواقع الموضوعي لتبرير تنازلاتهم، من خلال “ليس في الإمكان أحسن مما كان”.

استنادا لما سبق، فان سلطة أوسلو تستشعر أن العمر الطبيعي لرئيسها تجاوز المعدل الطبيعي للعمر في المجتمع الفلسطيني بحوالي 15 سنة، وهو ما يعني تأجيج عوامل التنازع البنيوية التي أشرنا لها، والاستعداد “للوراثة الرئاسية”، والتي أطلت برأسها من خلال دفع ابن الرئيس (ياسر عباس) للواجهة في الهيئات القيادية في حركة فتح التي هي سلطة أوسلو ذاتها.

ويشير التنازع على الوراثة السياسية الى :

1- – هناك وضوح في انشطار التنافس بين التابعين للأجهزة الأمنية والتابعين للأجهزة السياسية، وكل منهما يدرك أن أحد متغيرات ميزان القوى في هذه المنافسة هو ” مدى الرضا الإسرائيلي عن المتنافس”، وهي فرصة ستستغلها إسرائيل الى أبعد الحدود، وستسعى الى ابتزاز المترشحين للحصول منهم على أكبر قدر من التنازلات، وهو ما يتضح في تنافسهم على نقد المقاومة في غزة، أو تبرير سياسات التقارب مع إسرائيل، أو نشر الاشاعات المشككة في رموز المقاومة، وكل ذلك لضمان الرضا الإسرائيلي والعربي والأمريكي لتعزيز احتمالات الفوز بكرسي الرئاسة، واعتقد أ هذه التصريحات ستتزايد طبقا لمعطيات الواقع .

2- – لا يوجد تباين أيديولوجي داخل بنية سلطة أوسلو، “فكُلهم في الهَمِ شَرقُ”، وبلوغهم المراكز السلطوية التي هم فيها هي حصاد تنازلات سياسية وأحيانا أمنية، وأخرى أخلاقية مع كيان الاحتلال، وبالتالي فالتنافس هنا هو ضمن دائرة استراتيجية ترسمها إدارة الاحتلال وليس اختيارات فلسطينية ذاتية.

3- – أما التدخل الخارجي العربي والامريكي وبالطبع الإسرائيلي فهو احد معالم هذا التنازع، فبنية سلطة أوسلو هي من الناحية الشكلية نتاج حراك سياسي داخلي، لكنها من الناحية الموضوعية هي محصلة مساومات إقليمية ، وهنا يظهر الفارق بين المتنافسين من زاوية قراءة كل منهم لموازين التنافس الرئاسي : من معه ومن ضده؟.

4- – أما التنافس على الموارد وتسلل الفساد عبر قنواته العديدة، فيكفي النظر في تقارير أجهزة الرقابة المحاسبية في الاتحاد الأوروبي أو تقارير الشفافية الدولية (التي تتناول أحيانا وعلى هامش تقاريرها فساد السلطة) أو التقارير الإعلامية عن مظاهر الفساد المالي والمحسوبيات التي أوصلت ابن الرئيس ومن معه الى حيث يقبعون، فطبقا للتقارير، فالسلطة تقع في المرتبة 107 بين 159 دولة في الفساد، كما أن 81% من الفلسطينيين يعتقدون باستشراء الفساد في السلطة، بل أن 45% من الافراد استخدموا الواسطة للحصول على مكاسب، كما أن فضائح الوزراء (مثل وزير الشؤون المدنية عام 2016 وقضية الخرسانة، وزارة الاقتصاد وبناء جدار الفصل العنصري، وقضايا غسيل الأموال والتلاعب بالسوق المالية، وتهريب الأموال من خلال زوجات وأبناء المسؤولين)…الخ.

5- – استغلال الهويات الفرعية (غزة وضفة غربية، مسلم ومسيحي، خليلي ونابلسي، ريفي وحضري…امرأة ورجل.. الخ.

6- – التنافس على خنق قوى المقاومة الفعلية أو تطويق بعض من تبقى في السلطة ولديه الحد الأدنى من الرفض للاحتلال ومساندة المقاومة، بل والتنافس على اقتلاع بؤر المقاومة في جنين وطولكرم وغيرهما.. وكل ذلك لتدعيم المكانة في سجلات الاحتلال.

كل ما سبق سيقود الى عدد من السيناريوهات المحتملة:

أ‌- احتمالات انفجار الاغتيالات بالرصاص أو السم أو التغييب الغامض بين المتسابقين على كرسي الرئاسة.

ب‌- البعض قد يفضل الانسحاب من التنافس نظرا لا للنزاهة بل للإحساس بعدم جدوى البقاء في السباق.

ت‌- قد يفر البعض الى الخارج وهناك يبدأ في الترويج لنفسه وينتظر الدعم الخارجي.

ث‌- احتمال أن يتم ترتيب لقاء تشرف عليه إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية (دون ظهور مباشر) ودول عربية (تحت تسميات تمويهية) ثم تتم انتخابات محددة ومعروفة النتائج مسبقا .

لكن ذلك لا يمنع من احتمال آخر وهو أن تقوم إسرائيل بإعلان حل السلطة (أو اجبارها على اعلان حل نفسها) وتحويلها الى نوع من الإدارات البلدية، مع استمرار الاستيطان وتوسيعه والتضييق على الموارد بشكل يمهد للتفريغ الديموغرافي التدريجي، وقد تعمل إسرائيل على اشعال الاضطرابات الداخلية في الضفة الغربية بين الفلسطينيين لتجعل من ذلك عذرا للتدخل وحل السلطة بحجة “ضبط الاضطراب”.

ويبدو أن نتائج المقارعة القائمة الآن بين محور المقاومة وبين إسرائيل وأمريكا ستكون هي المحدد المركزي للترجيح بين كل السيناريوهات السابقة، وهو ما يستحق التأمل والدراسة المتخصصة.. ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى