العالم
مزايدة جيوسياسية أم حرب وشيكة؟!

مراد أوعباس
بمجرد أن أطلق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تصريحاته بأنّ موسكو مستعدّة لأيّ مواجهة مع أوروبا، تصاعدت حدّة التوتر في القارّة العجوز، جاء ذلك في سياق قبول بوتين للمقترحات الأميركية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مقابل رفضه للمقترحات الأوروبية التي وصفها بالناقصة وغير الواقعية.
وقبل أسابيع، فجّر قائد أركان الجيوش الفرنسية مفاجأة مدوّية حين دعا الفرنسيين إلى الاستعداد لتوديع أحبّائهم، في إشارة صريحة إلى احتمال نشوب حرب وشيكة مع روسيا، تصريحٌ صادمٌ لم يربك الرأي العام الفرنسي فحسب، بل دفع الأوروبيين جميعاً إلى حبس أنفاسهم أمام هذا التصعيد الكلامي المتبادل والتهديدات العابرة للقارات، في ظلّ إصرار دول الناتو على رفع سقف المواجهة مع موسكو منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022.
وبعد مرور عامين، تبيّن لحلفاء زيلينسكي أنّه يواجه وحده مصيراً معقداً، رغم الوعود الأوروبية والدعم العسكري والسياسي الواسع، وقد أضاف الأوروبيون إلى هذا المشهد مزيداً من المؤشرات المقلقة، مع رفع ميزانيات الدفاع وتسريع وتيرة إعادة تسليح الجيوش، تحضيراً لسيناريوهات حرب كبرى قد تندلع، وفق تقديرات بعض المراكز الغربية، في أفق 2029 أو 2030…؟
وفي هذا السياق، ردّ بوتين على تصريحات داعمي كييف قائلاً إنّ زيلينسكي يعتمد على دول الناتو لكسر “أنف” روسيا، غير أنّ هذا الهدف، حسب الرئيس الروسي، بات بعيد المنال. اليوم، يطلّ “ثعلب الكاجيبي”، أمام العدسات معلناً أنّ الجيش الروسي مستعدّ لمواجهة أوروبا مجتمعة، في ردّ مباشر على “النيات” الأوروبية المتنامية، وعلى رأسها تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تحوّل تدريجياً إلى أحد أبرز الداعين إلى مواجهة مفتوحة مع موسكو.
ولكي يضفي القادة الأوروبيون مزيداً من الجدية على سيناريو الحرب، كشفت بعض الدول عن تطوير منظومات تسلّح جديدة. فقد تحدّث قائد الجيوش البريطانية عن إطلاق سلاح فتاك قادر على تدمير الصواريخ النووية الروسية في لحظات، فيما كشفت تقارير إعلامية ألمانية عن خطط سرّية لتأهيل البنى التحتية تحسباً لتصعيد شامل.
من جهته، أعلن بوتين أنّ بلاده أجرت تجارب على تشغيل الغوّاصة “بوسيدون” الفريدة بسرعة مناورتها وعمق حركتها، والتي وُصفت بأنّها غير قابلة للاعتراض، فضلاً عن قرب دخول الصاروخ الباليستي العابر للقارات “سارمات” الخدمة العسكرية رسمياً. وقد زادت التعليقات الغربية من حدّة المشهد، إذ اعتبرت بعض الصحف أنّ “روسيا جاهزة للحرب إذا أرادت أوروبا ذلك”، مؤكدة أنّ تصريحات بوتين ليست مجرّد رسائل عابرة، بل حلقة أولى في سلسلة تصعيد ستكون لها تبعات بعيدة المدى، وذهبت منابر أوروبية أخرى، إلى أبعد من النقل المباشر للتصريحات، متحوّلةً إلى منصات ضغط على حكومات الناتو لتعجيل إعادة التسليح وتعزيز الردع، محذّرةً من الاستكانة أو سياسة “استرضاء الكرملين”.
وبين هذا وذاك، يرى محلّلون أنّ خطابات بوتين دفعت السّجال الإعلامي والدبلوماسي والعسكري في أوروبا نحو مرحلة جديدة تتطلّب إعادة نظر جذرية في منظومة الأمن القاري، فيما يدعو آخرون إلى التهدئة وتغليب المفاوضات لضبط مسار التصعيد قبل الانزلاق نحو مواجهة غير محسوبة. ومع ذلك، لا يزال بعض المراقبين يعتبر أنّ ما يجري ليس إلا تفاعلاً أقرب إلى استعراض القوة منه إلى مؤشرات حرب وشيكة، وأنّ القادة الأوروبيين ينغمسون في توسيع خيالهم الاستراتيجي بدافع الخوف أكثر من الواقعية..




