ثقافة وفن

“مدافن الذكرى”.. روايةٌ تؤرّخ لأحداث ما قبل ثورة التحرير الجزائرية

صدر عن دار جودة للنشر والتوزيع بالجزائر، رواية “مدافن الذكرى” للروائيّ محمود عياشي، وهي عملٌ سرديٌّ يتّخذُ من القرية في صحراء الجزائر مسرحًا له، وفضاءه الزّمنيّ الذي يمتدُّ تاريخيًّا بين ما قبل الثّورة الجزائرية (1954/1962)، إلى حقبة الثمانينات. وتتألّف أحداثُ الرواية من شخصيّات رئيسيّة، وأخرى ثانوية، لتشكّل صراعًا دراميًّا يُدخل القارئ في دوّامة التّعاطف مع من ألجأته الظّروف للاستسلام ومكابدة مشاكل الحياة، كما يمكن أن تجعله يتّخذ موقفا مناهضًا للشّخصيّات ذات الدّور السّلبيّ المكرّس للمشكلات والآفات بشكل فنّيِّ.

ويؤكّد الروائيُّ محمود عياشي، لموقع “24 ساعة”، أنّ أحداث هذا العمل تدور، بشكل عامّ، حول شخصيّة “ذهبيّة”، تلك الأرملة القرويّة الفقيرة التي يتوفّى أبوها “المولدي”، فتفقد بذلك السّند والمؤنس، بعدما قتل زوجها “خضّاري”، وهو في مهمّة حراسة القافلة التجاريّة بين واد سوف وخنشلة (شرق الجزائر)، تاركا لها ثلاثة أولاد لا يتجاوز أكبرُهم عشر سنوات.

وأثناء ذلك، وفي غمرة تلك الأحداث المأساويّة، تبرز شخصيّة جارهم “الساسي”؛ ذلك الإقطاعيّ الجشع الذي يريد الاستحواذ على كلّ ما له قيمة في القرية، من نخيل وعقار ليتمكّن من بسط نفوذه وهيمنته على قرية “الكطّاعة”، كما حاول الاستحواذ على “ذهبيّة” أيضا، لكنّ هذه الأخيرة كانت من نصيب شابٍّ أصغر منها اسمُه “الرياحي” الذي وجد نفسه وجها لوجه مع عالم غريب من الأسرار والأمور الغيبيّة الغريبة، وأوّل عقبة هي أمرٌ من أبيه “سي الطيّب” أن ينوب عنه في تغسيل “المولدي”!

ويحتدم الصّراع بين الإقطاع والفقر؛ عندما يغتنم “السّاسي” قضيّة الثّورة الزّراعيّة، ويستفيد من تأميم غيطان نخيل بعض الأهالي الذين اضطرّتهم الحاجة للعمل في الشّمال، مُستغلًّا وساطته ومعارفه، وعندما أنّبهُ أهل القرية، أجابهم بما يوهمُهم أنّه يحمي نخيلهم من أن يأخذه الغرباء.

ويبدو أنّ الكاتب في هذا العمل الروائيّ يحاول الانتصار لأولئك الكادحين من غريمهم إذ تدخّل القدر وحرم “الساسي” من أن يثمر نخله المقتطع بدون وجه حقّ وأثمر الباقي، فافتضح أمرُه، وأصبح عبرة، ثم لم يلبث أن انتهت أسطورته ليحلّ ابنُه “حمدان” مكانه، ويعاين بنفسه كيف انتكست صورة أبيه بعد سنوات من وفاته إذ جاءت العاصفة على كثير من نخل أبيه، فتهاوى وأضحى الأطفال يتناولون جُمّاره (قلب النخلة الأبيض) ويتندّرون!

ولعلّ الدّور السّلبيّ لشخصية “السّاسي” تجاوز المكان والزّمن، إذ كان السبب المباشر في تغرّب “أحمد السكيكتي” الذي كان عاملا في ميناء سكيكدة، فلمّا أمّم نخلاته واستحوذ عليها ذلك الإقطاعيّ استحى من ذويه، ولم يتحمّل الخبر، فهاجر إلى “نيس” (المدينة الفرنسية)، مع صديق له بجاوي الأصل (من بجاية).

ويقول صاحب الرواية في أحد المقاطع على لسان أحد أبطاله (لفظنا البابور على البور إلى وجهة لا نعلمُها.. المهمُّ نفرّ من الدمّار إلى المجهول المهول.. مشينا أنا وصاحبي حتى خيّم اللّيل وقبعنا تحت جسر يملؤنا تعب وجوع وخوف..)، قبل أن تحدث لهما أمورٌ مثيرة عند لقائهما ببائع متجوّل يرقُّ لحالهما ويسكنهما في قبو بيته، وتنشأ بينهم صداقة، فيقول في مقطع آخر من الرواية (قال أندرياس: أنا من أصول سويسرية مختلط النسب اختارا لي اسما عربيّا إسلاميّا.. قلت له: نسمّيك “عقبة” على أول فاتح للشمال الأفريقيّ)، ثم يعترف لهما أنّه كان جنديًّا في صفوف جيش الاحتلال مع أخيه المظلي الذي قتل في عين فكرون، بينما كان هو في بسكرة، ليتمّ اكتشاف أنّ “الساسي” كان عميلا خائنا، وهو من تسبّب في قتل “خضّاري” الذي كانت مهمّته تأمين السلاح للثوار ولم يكن حارس قافلة.

يُشار إلى أنّ الروائيّ محمود عياشي، يشتغل بالتعليم، وسبق له أن أصدر “مرايا الصالون” (رواية/ 2023)، و “ردّة فعل” (مجموعة قصصيّة/ 2023)، و”على مدار السرطان” (رواية/ 2024).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى