ثقافة وفن

لهذا يجبُ أن نُحبّ النصّ المقاوم!

عبد المجيد بلخوص

 

رواية غسان كنفاني (1936/1972)، “رجال في الشمس”، هي رواية لفلسطين وللشعب الفلسطيني، صوت الأمة العربية والإسلامية التي تترقب القادم بأعين يتضاءل وهجها، شيئا فشيئا، نتيجة الفشل والصدمات المتلاحقة، نص عربي شرس يسير بشخوصه ببطء صوب حتفهم الذي ليس لهم أن يردّوه، فهم مذعنون للمهربين وللاستغلاليين، بشكل كبير، نتيجة الحرمان والقهر الذي دفع بهم إلى الهجرة خارج الوطن بحثا عمّا يسد الرمق، لكن للأسف سينتهي الحلم في صمت، داخل خزان مظلم سينتهي كل شيء. في صمت مطبق، يغادر الثلاثة، دون ضجيج أو جلبة، تلك النظرات التي كانت معلّقة بفوهة الخزان سوف تنطفئ دون أن تجد الوقت لتقول للعالم وداعا، دون أن تُحرّر له ولنا عتابا مقتضبا.  لاحقا ستطاردنا الرواية أينما حللنا، في كل مرّة نطالع فيها الأخبار الهاربة من هناك، سنعيد استذكار أبا قيس ومروان وأسعد، فهل فهمنا بحق الرسالة التي يكتنفها هذا النص المقاوم؟

كان ولا يزال لأهلنا في أرض المجد أحلامهم الخاصّة، ككل شعوب الأرض، لم تكن أحلاما كبيرة، لكنّها كانت أحلاما؛ أحلاما مكتملة، أحلامهم هم وحدهم دون غيرهم.

في الحروب تتحوّل التفاصيل المنتهية إلى أحلام، كلّما طال أمد الحرب والحصار زادت، شيئا فشيئا، إلى أن يصل مداها إلى شرفات الامتناع. هناك عند شرفة الإقصاء ليس للمرء إلا أن يغامر بروحه، ليس لأبي قيس إلا أن يجتاز حرّ الصحراء لكي يكبر قيس، لكي يعيش قيس، لكي يملأ قيس عينيه بضوء السماء وقلبه بطيب الأرض المقدّسة، لكي يصلّي في المسجد الأقصى ويشكر السماء والأنبياء والكتب). ماذا ترين يا أم قيس؟ حدّقت إليه وهمست:  –كما ترى أنت سيكون بوسعنا أن نعلم قيس .  –نعم. – وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين. –طبعا. – وربما نبني غُرفة في مكان ما. – أجل. – إذا وصلت إذا وصلت ( إذا وصل طبعا، إذا وصل، هناك خلف الشمس، والقيظ الذي لا يحتمل، خلف الرجل السّمين صاحب المكتب الذي يتولّى تهريب الناس، بعد اجتياز كلّ ذلك فقط يمكن تحقيق بعض الأشياء التي يحلم بها أبو قيس وأسعد ومروان وأمثالهم، هناك توجد العديد من الأشياء التي حُرموا منها هم وعائلاتهم هنا، هناك توجد الكويت، الشيء الذي لم يكن لهم أن يعيشوه هنا، هناك تراب وماء وهواء، أزقة وشوارع ورجال ونساء وصغار يركضون في كل الجهات، لكن الرّهان كبير والثمن سيكون غاليا إن أخفق الثلاثة في الانتصار على الحر وكذب المهربين، لكن لا مفرّ من المغامرة، طالما أنّ البقاء هنا إنّما هو موت معلن فلا مناصّ من شدّ الرّحال والمضيّ صوب المجهول، لا مفرّ من الإذعان للرجل السمين الذي سيقبض كل ما لديهم من مال قبل نقطة الوصول ثم سيدّعي بأنه سيرسل معهم دليلا لن يكون منه إلا الفرار قبل بلوغ منتصف الطريق.  أما أسعد فخلفه ندى، هي تنتظره لعقد القران، ندى الصوت الباعث على السكينة والرغد، عليه أن يبلغ الكويت ويجمع المال لكي ينال رضى عمّه ومن ثمة يشبع نهمه من ندى التي تحرسها الملائكة، أما مروان فلا خيار له، هو الذي سيكتب لأمه لكي يقول لها إنّ أباه منحط لأنه تركها وتركهم، لا بل سيقول إنه كلب لأنه تجرّد من أبويته، وتزوّج من امرأة شوهاء فقدت ساقها في قصف يافا وليس لها إلا والدها الذي يريد أن ينزل إلى قبره مطمئنا على ابنته التي رفضها الجميع بسبب عاهتها، لحسن حظها هي تمتلك بيتا في أقصى البلد، فعل ذلك بعد انقطاع أخبار ولده زكرياء الذي كان يرسل إليه المال، حينها ردّد في سره: من الذي سيطعم الأفواه المفتوحة؟ من الذي سيكمل تعليم مروان ويشتري ملابس مي ويحمل خبزا لرياض وسلمى وحسن؟ من؟ لم يفكر أبو مروان كثيرا لأنّ شفيقة اشترت بيتا خاصا بها بفضل نقود الجمعيات الخيرية.  يعلم مروان أن أمه مثل كلّ الأمهات الفلسطينيات تتشاءم من الكلمات المشطوبة، ترى لما؟ قد يكون خوفا من حقيقة مقموعة أملاها الكبرياء، قد تعني الكلمة المشطوبة أنّ هناك تضاربا بين العقل والعاطفة، بين ما يجب قوله ومالا يجب قوله، يوقن مروان أنّ ثقل الرسائل الهاربة في الحروب كثقل الشمس، لذا قرّر أن يكتب لوالدته مباشرة بعد الاتفاق مع من سيهربه للكويت رفقة أسعد وأبي قيس (. لدي سيارة مرخصة لاجتياز الحدود.. ها يجب أن تنتبهوا إنها ليست سيارتي، أنا رجل فقير أكثر منكم جميعا وكل علاقتي بتلك السيارة أنني سائقها، صاحب هذه السيارة رجل ثري معروف، ولذلك فإنها لا تقف كثيرا على الحدود، ولا تتعرض للتفتيش) تم الاتفاق مع أبي الخيزران وانطلقت العربة تشق عز الحر، جرى الاتفاق على أن يلحقوا بالخزان الخلفي للعربة متى بلغوا نقطتي حدود لا أكثر، أي أن مدة صبرهم على القيظ لن تتعدى سبع دقائق على أقصى تقدير، تلك الدقائق التي هي قطعة من العذاب هي التكلفة التي يتعيّن دفعها لبلوغ الكويت. في تمام الحادية عشرة والنصف شاءت السماء أن يوضع الثلاثة في الخزان، كانت السيارة الضخمة تشقُّ الطريق بهم وبآلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وآمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم. وجد المزاح متّسعا مديدا عندما نزل أبو الخيزران في مركز المطلاع، بعد أن دخل أبو الخيزران على الموظفين الثلاثة لإمضاء الوثائق والانصراف، وجدهم في انتظاره، تبادلوا الضحكات وبدا أنهم انتظروا قدومه لحاجة في أنفسهم. سوف يأخذون كلّ وقتهم في الحديث عن الراقصة كوكب، التي زعموا أنّ أبا الخيزران قد أمضى معها وقتا في البصرة، هناك مارس كل المجون والشرور مدّعيا أنّ السيارة قد تعطلت فيما ها هو يتعجّل سيره الآن، حاول الأخير تجاوز مزاحهم الثقيل والانصراف لكن بدون جدوى، صدر من أحدهم قوله إنّ أبا الخيزران ملعون، وأنّ كوكب تصرف عليه شيكات لفرط فحولته، ثم استفهم عن سرّ تعلق كوكب به، احمرّ وجهه وهو الأمر الذي يوحي بأنّه قد انشغل بالحكاية أياما. بعد أن اقتطع عهدا من أبي الخيزران بمرافقته في رحلته المقبلة وقع على الوثائق، مضى الأخير مسرعا، رمى ببصره إلى الخزان وخُيّل إليه أنه على وشك الانصهار، أدار محرّك السيارة وانطلق كالبرق، كان مقودها ساخنا على غير العادة، أما المقعد الجلدي فكان يلتهب تحته، عند أول منعطف توقف بعنف، تسلق إلى سطح الخزان، وحين لامس سطحها المعدني بيديه أحسّ بهما تحترقان، كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر إلا تسع دقائق (. أسعدياهووه) صاح أبو الخيزران ولا مجيب، نزل إلى القاع فلم ير شيئا لظلمته، أتاحت فوهة الخزان بعض النور فتراءى له صدرٌ رماديٌّ يلفه لون القصدير، كان بادرا صامتا، أحس بالاختناق ثم غادر، التحق بمقعده، عبر النافذة شاهد قرص الخزان مفتوحا، كان الصداع يأكل رأسه، أدار المحرك من جديد فاستجاب وراحت العربة تتسلق المنحدر ببطء.  

مختبئا عن أعين الشرطة في إحدى الشقق في لبنان، كتب غسان كنفاني هذا النص المقاوم، هذا النص الذي خرج للعالم بالخط العربي، ثم سافر إلى السماء لتقرأه عيون العالم بأكثر من لغة واحدة، لاحقا اقتحم السينما واحتفت به المهرجانات في الدول العربية وغيرها، وأخيرا تمسرح العمل فكانت “رجال في الشمس” أثرا يجدّد نفسه باستمرار. تُرى ماذا أراد هذا النصّ أن يقول لنا؟ لو أنّ الثلاثة بلغوا الكويت بأيسر السبل، هل كنّا لنحتفي بهم؟ حتما إنّ “رجال في الشمس”، هي صوت الانتماء، أراد ثلاثتهم الرحيل لكن حكمة السماء أرادتهم باقين لأنّهم أصحاب الأرض، لأنّهم مقدسيُّون، لأنّهم أبناء حضارة المشعل على قول محمود درويش، لأنّ الرحيل يعني الغياب فيما البقاء يعني العزة، هم لم يطرقوا الخزان وليس لهم أن يطرقوه لأنّ أبا الخيزران هو بعض من هذا العالم الذي يتفرّج على غزة الآن، هذا العالم الذي فضحه سليمان العيسى قبل أعوام حين كتب:  نَتَفـَـرَّجُ.. يَحتـرِقُ الجَسَـدُ في غَـزَّةَ، في الأرضِ الثَكْلى فـي كـــلِّ مكــــانٍ يتَّقِـدُ يَتَسـاقَطُ أطفــالٌ قَتْـــلى ويُقـاتِلُ أطفــالٌ جُـدُدُ والأُمّةُ.. مـاذا يَعْنينا الأُمّةُ.. مَيْـتٌ يَتَفـرَّجْ.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى