لغة الجسد… حين تتحدث السياسة بلا كلمات

بقلم: شريف الهركلي
في السياسة، قد تُغيّر مصافحة واحدة انطباعًا، وقد تسبق نظرةٌ بيانًا رسميًا. فالقادة لا يتحدثون بالكلمات وحدها، بل بلغة صامتة يقرأها الخبراء قبل أن يقرأها الجمهور. وفي كثير من الأحيان، تكون الرسائل غير المنطوقة أكثر تأثيرًا من الخطب والبيانات، لأنها تكشف ما قد تعجز الكلمات عن إخفائه.
في عالم السياسة، لا تُقرأ الرسائل من البيانات الرسمية والخطابات وحدها، بل كثيرًا ما تُلتقط من النظرات، والمصافحات، وتعابير الوجه، وحركة الجسد. فهذه التفاصيل قد تحمل رسائل دبلوماسية لا تقل أهمية عن الكلمات، بل تسهم في تشكيل الانطباعات وصناعة الصورة الذهنية للقادة أمام الرأي العام.
وخلال إحدى اللقطات التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لفتت لغة الجسد انتباه المحللين. فقد رأى بعض خبراء التواصل غير اللفظي أن محدودية التواصل البصري قد تُفسَّر على أنها مؤشر إلى فتور في الاهتمام أو رغبة في تقليص مساحة التقارب، فيما بدت المصافحة، وفق تحليلات عديدة، محاولة لإظهار الثقة والحضور. وفي المقابل، فُسِّرت ابتسامة ماكرون الهادئة ووضع يده في جيبه لدى بعض المراقبين على أنها تعكس الثقة بالنفس وعدم الانفعال، مع التأكيد أن هذه القراءات تبقى مؤشرات محتملة وليست أحكامًا قاطعة.
ولم تكن هذه الحالة استثناءً؛ فقد شغلت لغة الجسد مساحة واسعة في لقاءات ترامب مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، كما كانت محل اهتمام في قمم الرئيس الأمريكي جو بايدن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي لقاءات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع القادة الغربيين، حيث تحولت المصافحات، وتعابير الوجه، وطريقة الوقوف والجلوس إلى رسائل سياسية يقرأها الإعلام والخبراء قبل قراءة البيانات الرسمية.
كما تناول بعض خبراء لغة الجسد أداء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي خلال عدد من خطاباته ولقاءاته الرسمية، معتبرين أن كثيرًا من حركاته وتعابير وجهه عكست طبيعته العفوية أكثر من كونها رسائل سياسية مقصودة، وهو ما يؤكد أن لغة الجسد قد تكون أحيانًا انعكاسًا للشخصية، لا جزءًا من استراتيجية دبلوماسية.
ومن الإنصاف التأكيد على أن لغة الجسد ليست دائمًا سلوكًا مقصودًا أو رسالة سياسية مدروسة، فبعض الرؤساء والدبلوماسيين يتصرفون بعفوية أثناء اللقاءات الرسمية، وقد تعكس بعض الحركات الإرهاق، أو ضغط الموقف، أو طبيعة الشخصية أكثر مما تعكس موقفًا سياسيًا. لذلك، فإن قراءة لغة الجسد يجب أن تتم في إطار السياق الكامل للحدث، لا بالاعتماد على حركة منفردة أو لقطة عابرة.
ورغم ذلك، فإن الحروب لا تندلع بسبب لغة الجسد وحدها، بل نتيجة تعقيدات سياسية وعسكرية واقتصادية. إلا أن لغة الجسد قد تسهم في تهدئة الأزمات أو زيادة التوتر، وقد تمنح الطرف المقابل انطباعًا بالقوة أو الضعف أو الاستعداد للتفاوض، وهو ما يجعلها أحد أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية.
لذلك، أصبحت دراسة لغة الجسد ضرورة في السياسة والدبلوماسية والإعلام، بل وفي مجالات الاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية. فإتقان قراءة الرسائل غير اللفظية يساعد على فهم الشخصيات، وتحسين مهارات التواصل، وإدارة المفاوضات بقدر أكبر من الوعي، مع تجنب إصدار الأحكام المتسرعة اعتمادًا على إشارة واحدة أو لقطة عابرة.
لقد أثبتت التجارب أن السياسة لا تُدار بالكلمات وحدها، فهناك لغة صامتة قد تكون أكثر بلاغة وتأثيرًا. وعندما يصمت اللسان، تتحدث العيون، وتتكلم المصافحة، وتروي ملامح الوجه ما قد تعجز عنه الخطب والبيانات. إنها لغة تستحق أن تُدرَّس، وأن تُفهم، لأنها قد تفتح أبوابًا للحوار، أو تغلقها، دون أن تُنطق بكلمة واحدة.




