ملف الساعة
لا للانجراف كالخراف والاعتراف بكيان الانحراف!

عبد الحميد كناكري خوجة
مفكر وكاتب سوري
”حين تتحول السياسة إلى هندسة للرزيلة، والمهرجان إلى بيان احتلال”.
في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وتبدلت فيه الأقنعة، لم يعد الاحتلال يكتفي بالدبابة، ولا العدوان بالصاروخ، بل انتقل إلى مستوى أدق وأخطر؛ تفكيك المنظومة القيمية، وإعادة برمجة الوعي الجمعي عبر ما يمكن تسميته بـ “الهندسة الأخلاقية المعكوسة”. هنا، لا يعود الصراع جغرافيا فحسب، بل أنطولوجيا، يمس تعريف الإنسان لذاته، ومعنى الفضيلة، وحدود الحرية. الهيكل الأسود المحتل منذ نشأته على أنقاض الحق والتاريخ، لم يكن مشروع دولة طبيعية، بل وظيفة استعمارية ذات بعد جيوبوليتكي وثقافي.
واليوم، وهو يقدم نفسه منصة لاحتفالات صاخبة تحت شعارات براقة، إنما يمارس تبيضا أخلاقيا يهدف إلى صرف الأنظار عن سجله الإجرامي، وتحويل الانتهاك إلى عرض، والعدوان إلى مهرجان. ليست المسألة مسألة”حريات شخصية” كما يروج في الإعلام المعلب، بل سياسة رسمية ترعاها المنظومة الخفية المحتلة، تستثمر في الصدمة الثقافية، وتصدير النموذج القيمي المفكك، لا إلى محيطنا العربي والإسلامي فحسب، بل إلى العالم بأسره، في إطار مايمكن وصفه ب ”الفساد الناعم بقبضة صلبة” وفي الخلفية، يعمل ”الطاغوت الأكبر” بمنطق الراعي والممول، بينما تضخ أموال طائلة من عواصم أبراج زجاجية وكراسي مرصعة، عبر قنوات تطبيع صامتة أو معلنة، حيث تستبدل البوصلة الأخلاقية بمنطق الصفقة، وتقدم البراغماتية العمياء على حساب القيم الجامعة. وكل ذلك يجري تحت مظلة نفاق غربي يتقن خطاب الحقوق، ويمارس نقيضها حين يتعلق الأمر بفلسطين.
في مقابل هذا المشهد، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كنموذج دولة اختارت، منذ 1979، خلع ثوب التبعية، ودفع ثمن الاستقلال، حوصرت، شيطنت، شنت عليها حروبا كحرب الثمان سنوات الظالمة التي اعترف مشعلها الرئيس العراقي السابق بعظمة لسانه قائلا ”هذه الحرب دفعني إليها الشيطان الأكبر” وطبعا يشير إلى حكام الدولة الامبريالية آنذاك. كما شنت عليها حروبا اقتصادية ونفسية. ومع ذلك صمدت، وطورت، وبنت، وواجهت.
لم تكن يوما معتدية، بل تدفع العدوان ومدافعة عن سيادتها، حارسة لحدودها، ومتماسكة بشعبها وجيشها وحرس ثورتها المنيع، في مشهد تلاحم قل نظيره. لقد كشفت عاصمة نقشت آيات القرآن بالمسك والعنبر والزعفران، بالفعل لا بالخطاب، شبكات تجسس وعمالة مرتبطة بأجهزة معادية، وظهرت اعترافات موثقة تفضح محاولات ركوب موجات مطلبية محقة لتحويلها إلى أدوات تخريب.
كما تكشفت زيارات ولقاءات في عواصم محتلة. ومساع لإعادة عقارب الساعة إلى زمن الوصاية، خدمة لأطماع النفط والهيمنة، تماما كما حدث في تجارب دول أخرى أريد لها أن تكون عبرة. وفي هذا السياق، يبقى القرآن حاضرا كميزان: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}. والركون هنا ليس موقفا سياسيا فحسب، بل سقوط أخلاقي. والسؤال الذي يجب أن يطرح على المهرولين للإنبطاح، بلا صراخ بل بضمير: كيف تصافح يد لم تجف من الدم؟ وكيف يبرر التحالف مع مشروع يهدم القيم قبل أن يهدم البيوت؟ أبهذا تصان الأوطان، أم تباع على موائد الوهم؟ الخاتمة لمقالي هذا ليست شتيمة بل موقف. ولا الاعتراف خيارا حين يكون المقابل كيان انجراف وانحراف وظيفي، قائم على نفي الآخر، وتشويه الإنسان، وتدمير المعنى. هنا، يصبح الرفض واجبا أخلاقيا، والمقاومة لمنظومة الفساد والإفساد فعل وعي، والكتابة شهادة أمام التاريخ. وعليه، تفهم تلك الوقفات بوصفها حكمة مدينة عتيقة تعرف متى تصمت ومتى تحسم؛ تحكم ميزان القرار، وتفكك ابتزاز القوة، وتزن الكلفة بالعائد بعقل الدولة لا انفعال الساحة، حيث تصان السيادة كمعمار أخلاقي وقانوني وجيوسياسي، لا كشعار عابر ولا كترف خطابي.




