العالم

كيف تحولت الحرب على إيران إلى انقلاب استراتيجي ضد أميركا وإسرائيل؟

طهران: علي الموسوي

لم يكن الاتفاق الذي فرضته الوقائع العسكرية والسياسية بين واشنطن وطهران مجرد تسوية مؤقتة لتفادي الانفجار الكبير في الشرق الأوسط، بل كان في جوهره اعترافًا أميركيًا غير مباشر بفشل الرهان على إخضاع إيران بالقوة. فبعد أشهر من التصعيد والحرب المفتوحة ومحاولات الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري، انتهت المواجهة إلى نتيجة معاكسة تقريبًا لما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنوات: إيران خرجت أكثر تماسكا وثقة، فيما خرجت واشنطن مثقلة بخسائر استراتيجية ومعنوية قد تطاردها لعقود.

صحيح أن الإدارة الأميركية حاولت تسويق الاتفاق باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا منع حربًا إقليمية شاملة، غير أن القراءة العميقة لمسار الأحداث تكشف أن ما جرى لم يكن انتصارًا سياسيًا لواشنطن، بل كان أقرب إلى “الخيار الأقل سوءًا” أمام إدارة أدركت متأخرة أن البدائل الأخرى كارثية. فالعودة إلى الحرب المباشرة مع إيران كانت تعني فتح أبواب الجحيم على الاقتصاد العالمي، وتهديد أمن الطاقة، وتعريض القواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا لموجات استنزاف طويلة، من دون أي ضمانة حقيقية لإسقاط النظام الإيراني أو حتى دفعه إلى التراجع.

لقد أخطأت واشنطن، ومعها إسرائيل، في تقدير طبيعة النظام الإيراني وتركيبته الداخلية. فالإدارة الأميركية تعاملت مع إيران كما تعاملت سابقًا مع أنظمة عربية انهارت تحت الضغط العسكري أو العقوبات أو العزلة السياسية، لكنها تجاهلت أن الجمهورية الإسلامية بُنيت منذ قيامها على فكرة “الدولة المحاصرة” القادرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى أدوات تعبئة داخلية. لذلك جاءت الحرب بنتائج معاكسة تمامًا؛ إذ لم تؤدِّ إلى تفكك النظام، بل عززت التماسك الوطني الإيراني، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة في مواجهة ما اعتُبر مشروعًا خارجيًا لإخضاع البلاد.

الأخطر بالنسبة لواشنطن أن هذه الحرب كشفت حدود القوة الأميركية نفسها. فبعد عقود من فرض الهيمنة العسكرية في المنطقة، وجدت الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن حسم المواجهة، وعاجزة حتى عن حماية الاستقرار الذي كانت تتباهى بأنها ضامنته الأساسية في الخليج. لقد اهتزت أسواق الطاقة، وارتفعت المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، وتحوّلت دول الخليج الحليفة لأميركا إلى كيانات قلقة تخشى أن تصبح ساحة مفتوحة للصراع الأميركي ـ الإيراني.

وفي هذا السياق، لعبت العواصم العربية والإسلامية المتحالفة مع واشنطن دور “الإطفائي السياسي” لإنقاذ إدارة ترامب من مشهد الهزيمة الكاملة. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يبالغ ترامب في الإشادة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو أن تتكثف الوساطات الإقليمية في اللحظات الأخيرة. فالجميع كان يدرك أن انفجار الحرب بصورة أوسع لن يهدد إيران وحدها، بل سيضرب البنية الاقتصادية والسياسية للمنطقة بأكملها.

لكن التحول الأهم في هذه الحرب لا يتعلق فقط بإيران، بل بمكانة إسرائيل نفسها داخل الإقليم. فمنذ عملية “طوفان الأقصى” حاولت تل أبيب، بدعم أميركي مطلق، إعادة رسم الشرق الأوسط عبر القوة العسكرية، بدءًا من غزة وصولًا إلى لبنان وسوريا ثم إيران. غير أن الحصيلة النهائية تبدو مختلفة تمامًا عن الأهداف المعلنة.

فالحرب على غزة، التي راهنت إسرائيل على تحويلها إلى “نصر استراتيجي” ينهي القضية الفلسطينية ويعيد فرض الردع الإسرائيلي، تحولت تدريجيًا إلى عبء أخلاقي وسياسي هائل على الغرب كله. لقد أدت صور المجازر والدمار والإبادة الجماعية إلى تآكل غير مسبوق في صورة الولايات المتحدة داخل العالم الإسلامي، بل وحتى داخل قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي نفسه. وباتت واشنطن تُنظر إليها باعتبارها شريكًا مباشرًا في الحرب، لا مجرد حليف لإسرائيل.

أما في لبنان، فرغم الضغوط الهائلة ومحاولات فرض توازنات سياسية جديدة، لم يتحقق الهدف الإسرائيلي ـ الأميركي المتمثل في إنهاء نفوذ حزب الله. وفي سوريا، لم يعد إسقاط النظام السابق كافيًا لإنتاج شرق أوسط مستقر وخاضع بالكامل للمصالح الأميركية. وعلى العكس، بدت المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من السيولة الاستراتيجية، حيث تتراجع قدرة واشنطن على فرض قواعد اللعبة القديمة.

إن ما حدث خلال هذه المواجهة يتجاوز حدود معركة عسكرية أو أزمة سياسية عابرة. نحن أمام لحظة تحول تاريخي في موازين القوى الإقليمية. فإيران، التي كان يُفترض أن تخرج منهكة ومحاصرة، خرجت أكثر قوة وصلابة، وربما أكثر نفوذًا اقتصاديًا إذا ما تمكنت من تثبيت معادلات جديدة في الخليج ومضيق هرمز. وفي المقابل، خرجت الولايات المتحدة وهي تدفع ثمن سنوات من السياسات القائمة على القوة المجردة والدعم غير المشروط لإسرائيل.

لقد انتهى زمن الحروب السهلة في الشرق الأوسط. وما جرى كشف أن القدرة على إشعال الحروب لم تعد تعني القدرة على التحكم بنتائجها. لهذا يبدو الاتفاق الأخير، رغم كل تناقضاته، اعترافًا أميركيًا ضمنيًا بأن الشرق الأوسط الذي تشكل بعد حروب العقدين الماضيين بدأ يتفكك، وأن توازنات جديدة تولد من قلب النار.

إنه بالفعل انقلاب استراتيجي ضخم، لن تتضح كل نتائجه الآن، لكنه سيعيد رسم العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وطهران والمنطقة كلها لسنوات طويلة قادمة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى