الجزائر

كيف انزلقت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل نحو صراع إقليمي مفتوح؟

الجزائر/ مراد أحمد

تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصعيد خطير بعد اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في مفارقة لافتة جاءت في وقت كانت فيه طهران وواشنطن تخوضان مساراً تفاوضياً حول الملف النووي الإيراني. فقد كانت الوساطة العُمانية قد فتحت نافذة أمل بإمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية تُرضي الطرفين وتخفف من حدة التوتر الإقليمي، خصوصاً في ظل مؤشرات أولية أوحت بإمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات.

غير أن هذه الأجواء لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدلت المعادلة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء المسار التفاوضي، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة من التصعيد. ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى تسارعت الأحداث باتجاه مواجهة عسكرية مباشرة، بلغت ذروتها بعد عملية اغتيال استهدفت المرشد الإيراني، في خطوة اعتبرتها طهران إعلان حرب صريحاً وانقلاباً على المسار الدبلوماسي الذي كان قائماً. وفي ظل هذا التحول الدراماتيكي، باتت المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر قد تعيد رسم موازين القوة وقواعد الاشتباك في الإقليم.

الدوافع الجيوسياسية لقرار إنهاء المفاوضات

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء المسار التفاوضي مع إيران مجرد خطوة تكتيكية مرتبطة بتطورات ميدانية، بل يعكس جملة من الاعتبارات الجيوسياسية والاستراتيجية التي تحكم رؤية الإدارة الأمريكية للصراع في الشرق الأوسط. فواشنطن تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني ليس فقط بوصفه قضية تتعلق بالانتشار النووي، بل باعتباره جزءاً من معادلة أوسع ترتبط بموازين القوة الإقليمية ومستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة.

أحد أهم هذه الدوافع يتمثل في محاولة إعادة ترميم منظومة الردع الأمريكية في الشرق الأوسط. فمنذ سنوات تواجه الولايات المتحدة انتقادات متزايدة بشأن تراجع قدرتها على فرض خطوط حمراء واضحة أمام خصومها، خصوصاً في ظل توسع النفوذ الإيراني عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وفي هذا السياق، قد يكون إنهاء المفاوضات رسالة سياسية مفادها أن واشنطن ما تزال مستعدة لاستخدام أدوات القوة الصلبة للحفاظ على موقعها في المعادلة الإقليمية.

كما يرتبط القرار أيضاً بالعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل التي تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديداً وجودياً. فقد دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التشكيك في جدوى المسارات الدبلوماسية مع طهران، معتبرة أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية سيمنح إيران وقتاً إضافياً لتعزيز قدراتها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة إنهاء المفاوضات كجزء من تنسيق استراتيجي أمريكي–إسرائيلي يهدف إلى منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل القرار عن الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فالتشدد تجاه إيران يمثل أحد الثوابت في الخطاب السياسي الأمريكي، كما يشكل ورقة مهمة في الصراع بين التيارات السياسية حول كيفية إدارة السياسة الخارجية. وغالباً ما تُستخدم الأزمات الخارجية لتعزيز صورة القيادة الحازمة القادرة على حماية المصالح الأمريكية.

كما يرتبط القرار أيضاً بمحاولة إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه الحد من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. وفي هذا السياق قد يكون التصعيد وسيلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة تعيد تثبيت الدور الأمريكي بوصفه الفاعل الأكثر تأثيراً في الأمن الإقليمي.

من المواجهة المحدودة إلى الحرب الإقليمية

لم تتأخر طهران في الرد. فقد وسّع الحرس الثوري الإيراني دائرة الاشتباك، مستهدفاً قواعد عسكرية أمريكية في الخليج، وواصفاً إياها بأنها “مناطق تخضع لسيطرة الدولة القوية”، في خطاب حمل رسائل تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تعريف معادلات الردع والسيادة في المنطقة.

وأثار استهداف هذه القواعد جدلاً سياسياً في الدول المعنية، التي وجدت نفسها أمام معضلة السيادة الوطنية، في ظل تحول أراضيها إلى مسرح اشتباك بين قوى كبرى.

صور التراجع… والرواية الإيرانية

للمرة الأولى منذ سنوات، تداولت وسائل الإعلام صوراً لجنود أمريكيين يعيدون الانتشار في المنطقة عقب هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت قواعد في دول الخليج العربي.

وفي بيان شديد اللهجة، اعتبرت هيئة العلاقات العامة في الحرس الثوري أن ما وصفته بـ”تشرد الجنود الأمريكيين بحقائبهم في قطر والبحرين” يشكل مؤشراً على تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، مؤكدة أن تلك المشاهد “لن تُنسى”.

وأضاف البيان أن “أكبر وأكثر جيش في العالم تكلفة وادعاء يفر من المنطقة”، في خطاب يسعى إلى إعادة تأطير عملية إعادة التموضع العسكري الأمريكية باعتبارها هروباً تحت الضغط.

القواعد الأمريكية في الخليج: منصات إنذار مبكر لإسرائيل

تنظر طهران إلى القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية إقليمية مرتبطة مباشرة بإسرائيل.

ووفق الرواية الإيرانية، تعمل هذه القواعد كمنصات “إنذار مبكر” تزود منظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية ببيانات حول سرعة الصواريخ واتجاهها ونقاط سقوطها المحتملة.

ومن هذا المنظور ترى إيران أن تلك القواعد ليست مجرد نقاط تمركز عسكري أمريكي، بل حلقات أساسية في شبكة دفاعية متكاملة تؤثر مباشرة في ميزان الردع الإقليمي.

حرب الروايات وأرقام الخسائر المتضاربة

في موازاة العمليات العسكرية تدور حرب إعلامية بين الطرفين.

ففي حين اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية بسقوط ستة جنود خلال المواجهات، أعلن علي لاريجاني أن عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية بلغ نحو 500 جندي.

هذا التباين الكبير في الأرقام يعكس اتساع فجوة الروايات بين الطرفين، ويؤكد أن المعركة الإعلامية تسير بالتوازي مع العمليات الميدانية.

ومن جهتها اعترفت إيران بسقوط أكثر من 700 قتيل، من بينهم 180 تلميذة لقين حتفهن إثر استهداف صاروخ أمريكي لمدرستهن، في حادثة أثارت جدلاً واسعاً حول طبيعة الأهداف في الحرب الدائرة.

قلق الحلفاء وسباق أنظمة الدفاع الجوي

وفي سياق متصل، أشار بيان الحرس الثوري إلى أن حلفاء واشنطن في المنطقة يسعون بشكل متسارع إلى تأمين أنظمة دفاع جوي متطورة، في ما اعتبرته طهران دليلاً على تنامي القلق من اتساع رقعة المواجهة.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك يعكس دخول البيئة الأمنية الإقليمية مرحلة إعادة تموضع استراتيجية، في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن وتل أبيب.

اتهامات باستخدام منشآت مدنية

واتهم الحرس الثوري الجيش الأمريكي باستخدام منشآت مدنية في بعض دول الخليج كغطاء لتحركاته العسكرية، معتبراً أن هذا السلوك “لم يعد خافياً” على الرصد الاستخباراتي الإيراني.

ولم يصدر تعليق فوري من واشنطن بشأن هذه الاتهامات، التي تثير أبعاداً قانونية حساسة، إذ إن استخدام البنى المدنية في النزاعات المسلحة قد يضعها ضمن دائرة الاستهداف حال تصاعد المواجهة.

نحو مواجهة أوسع؟

في أخطر ما ورد في البيان الإيراني، حذّرت طهران من أن “استمرار التلاعب والخداع الأمريكي في المنطقة قد يؤدي إلى انهيار جميع البنى التحتية العسكرية والاقتصادية”.

ويرى محللون أن الخطاب الإيراني الحالي لا يقتصر على الرد العسكري، بل يتضمن رسائل ردع استراتيجية موجهة إلى واشنطن وحلفائها الإقليميين، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات وسط مخاوف دولية متزايدة من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع قد تهدد أمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية، في وقت تبدو فيه فرص العودة إلى المسار الدبلوماسي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى