ثقافة وفن
كتاب بعنوان “الجانب المظلم للأوساط الأكاديمية”

بقلم البروفيسور / محمد حوجة
اليوم كتاب مهم عن دار النشر الاكاديمية الشهيرة ببريطانيا Routledge، للبروفيسورة غايل بروير Gayle Brewer، بعنوان: الجانب المظلم للأوساط الأكاديمية: التنافس، وعدم المساواة، والعنف في البرج العاجي. The Dark Side of Academia: Competition, Inequality, and Violence in the Ivory Tower. مؤلفة هذا الكتاب هي البروفيسور أستاذة علم النفس والتربية في جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة. عملت في مجال التعليم العالي لأكثر من عشرين عامًا، وتُسهم في صياغة ممارسات وسياسات المساواة والتنوع والشمول في المملكة المتحدة. ونشرت أكثر من مائة مقال علمي في مجال علم النفس والتربية.
في هذا الكتاب تقدم مؤلفة الكتاب نظرة معمقة ، على انتشار الممارسات الضارة في الأوساط الأكاديمية وأشكالها وتأثيرها. ومن خلال الجمع بين البحوث والممارسات والسياسات المعاصرة، تتناول تجربة وتأثير قضايا مثل عدم الاستقرار الوظيفي، والإرهاق، والعنف في التعليم العالي، وتُسلط الضوء على جوانب كثيرة في الأوساط الأكاديمية، لا تنال العناية الكافية بالبحث والتحليل.
يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسية تضم تسعة فصول، ويركز على مواضيع هامة مثل الأداء والمنافسة؛ الصحة والرفاهية والإرهاق الوظيفي؛ العقود غير المستقرة؛ عدم المساواة والتمييز؛ الإعاقة؛ النوع الاجتماعي والهوية والعرق والإثنية؛ والتنمر وسوء السلوك كالتحرش والعنف. يتضمن كل فصل توصيات واضحة للسياسات والممارسات، ويُعدّ الكتاب مرجعًا أساسيًا لجميع العاملين في التعليم العالي، ولا سيما من يشغلون مناصب قيادية.
صُمم هذا الكتاب لتشجيع إيلاء المزيد من الاهتمام لتجارب جميع العاملين في هذا القطاع، ولتقديم استراتيجيات قابلة للتنفيذ لتوفير دعم أفضل لقطاع الجامعات. يقدم القسم الأول لمحة عامة عن البيئة الجامعية وتأثيرها على الموظفين. يبدأ بمقدمة عن المراقبة والمنافسة وأعباء العمل المفرطة التي تميز التعليم العالي (الفصل الأول)، يليها استعراض لقضايا الصحة والرفاهية والإرهاق الوظيفي في هذا القطاع (الفصل الثاني). ويختتم القسم بمناقشة العقود غير المستقرة، وتجارب طلاب الدكتوراه وباحثي ما بعد الدكتوراه (الفصل الثالث).
يركز القسم الثاني على قضايا التمثيل وعدم المساواة فيما يتعلق بالإعاقة، والأمراض المزمنة والاختلافات العصبية (الفصل الرابع)؛ والجنس والأبوة والأمومة (الفصل الخامس)؛ والعرق والإثنية والثقافة (الفصل السادس). وفي القسم الثالث يتم مناقشة قضايا العنف والعدوان في الأوساط الأكاديمية، موضحًا أولًا التنمر وقلة الاحترام (الفصل السابع)، وثانيًا انتشار وتأثير التحرش والعنف (الفصل الثامن).
يتضمن كل فصل توصياتٍ للسياسات والممارسات، مع توفير موارد إضافية في الفصل التاسع. ويتناول هذا الكتاب في المقام الأول تجارب الموظفين الأكاديميين، مما يعكس حجم الأبحاث التي تركز على أعضاء هيئة التدريس،(مقارنةً بمن يعملون بعقود غير أكاديمية)، تؤكد المؤلفة أن القضايا التي يناقشها هذا الكتاب مثل ضغوط العمل، والتمييز ضد ذوي الإعاقة، والتحرش الجنسي) لا تقتصر فقط على أعضاء هيئة التدريس، إنما تشمل باقي الموظفين في مؤسسات التعليم العالي، وأنه غالبًا ما يتمتع أعضاء هيئة التدريس بمزيد من الاستقلالية والفرص والسلطة، مقارنةً بزملائهم في الخدمات المهنية.
على سبيل المثال، يُتاح لأعضاء هيئة التدريس الوصول إلى موارد (مثل التمويل الخارجي) لدعم التطوير المهني، وهي موارد غالبًا ما تكون غير متاحة للموظفين غير الأكاديميين. كما تؤثر القضايا التي يناقشها هذا الكتاب بشكل مباشر أو غير مباشر على الطلاب. تبين المؤلفة أن قطاع التعليم العالي شهد تغييرات جوهرية، ففي تسعينيات القرن الماضي، أدت السياسة الحكومية إلى زيادة أعداد الطلاب والمؤسسات الأكاديمية في جميع أنحاء المملكة المتحدة وفي باقي دول العالم. ورغم أن التوسع السريع قد يوحي بـ”عصر ذهبي” للأوساط الأكاديمية، إلا أن المنافسة بين المؤسسات والتدقيق في مؤسسات التعليم العالي قد ازدادا أيضاً. ونتيجة لذلك، يُمكن تصنيف الأكاديميين وفقاً لمعايير مختلفة لـ”الجودة” أو “القيمة”، وهم يتعرضون لضغوط كبيرة. ولا يقتصر هذا التغيير في الممارسات والسياسات والثقافة الأكاديمية، بطبيعة الحال، على المملكة المتحدة. فقد نوقشت قضايا النيوليبرالية وآثارها السلبية على الموظفين والطلاب في العديد من البلدان والقارات، وركزت على مدى رضاهم عن الإدارة العليا وحوكمة الجامعة. وغطت الاستطلاع مجموعة من المواضيع، بما في ذلك تأثير الإدارة العليا على الطلاب ومعاملة الموظفين.
و تشير النتائج إلى استياء واسع النطاق، أبرزت الردود النوعية مجالات مثيرة للقلق بشكل خاص، بما في ذلك استخدام المقاييس، وأعباء العمل المفرطة، والمساءلة، والتغيير المستمر، وتهميش الأكاديميين، والصحة النفسية، وأن سياق التغيير المستمر بلا هوادة، والبيروقراطية المتنامية بلا نهاية في التعليم العالي، تُضعف رفاهية الموظفين، ونادرًا ما تُفيد تعلم الطلاب، وتُقوّض معدلات الإبداع.
وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يقدم صورة قاتمة للتعليم العالي، مُسلطًا الضوء على نتائج التنافس وعدم المساواة والعنف المُنتشر في هذا القطاع، فإنه يؤكد وجود أسباب كثيرة تدعو للتفاؤل، حيث يُشير التحسن الحاصل في مجال الشمولية، سواءً في بيئة العمل الأكاديمية أو في منهجية البحث وممارساته، تشمل الفوائد المُتوقعة للنهج الشامل تعزيز أنماط التفكير المختلفة، وإثراء جودة مخرجات البحث، وتحسين ملاءمة البحث، وتحسين رفاهية وأداء العاملين في الأوساط الأكاديمية (تقرير الشمولية العالمي، 2022). ويتجلى هذا التوجه نحو بيئة أكاديمية عادلة وشاملة في ازدياد البحوث المُتعلقة بالمساواة والتنوع والشمول في قطاع التعليم العالي، وفي نطاق المبادرات والتدخلات التي طُوّرت في هذا المجال، ويختلف مدى تضمين مبادرات تعزيز الشمولية في مكان العمل في التعليم العالي باختلاف التخصص والمؤسسة. وأن حجم الجهود المبذولة في مجال متابعة قضايا التعليم العالي ، خاصة المساواة والتنوع والشمول، تشير إلى تغييرات إيجابية، فمن المهم أن تكون الجهود المبذولة لتحسين سلامة مؤسسات التعليم العالي وسهولة الوصول إليها وشموليتها ذات مغزى حقيقي، لا مجرد إجراءات شكلية. وأنه في الواقع، يستجيب الموظفون بشكل أفضل، للإشارات التنظيمية المتعلقة بالمساواة والتنوع والشمول والمستندة إلى أدلة مثل البيانات التي تُظهر تحسن التنوع، بدلاً من تلك المستندة إلى القيم.
ومن المهم أيضاً أن تكون سياسات وممارسات المساواة والتنوع والشمول أصيلة، وأن تتجاوز القضايا السطحية، لتتناول قضايا العدالة الاجتماعية الأساسية، الأهم هو تكافؤ الفرص في الوصول والتجربة، وليس مجرد التمثيل المتساوي. كما انه من الضروري توفير الوقت الكافي للموظفين لإنجاز هذا العمل، وأن يحصلوا على التقدير المناسب له، ففي كثير من الأحيان، يقوم الموظفون بأعمال متعلقة بالمساواة والتنوع والشمول على أساس تطوعي، ولا تُسهم هذه الأعمال في التقدم الوظيفي (أو يُنظر إليها على أنها تُعيقه).
ومن المهم أيضًا إدراك أن العمل النشط قد يكون مُرهقًا ومُتعبًا، وأن توفير بيئات داعمة، لا سيما لأفراد الفئات المهمشة، أمرٌ ضروري، إذ ينبغي أن تُوفر هذه البيئات دعمًا اجتماعيًا وعمليًا، وأن تُتيح فرصًا لتبادل الموارد والعمل النشط. ويضطلع كبار القادة بدورٍ هام، إذ يجب عليهم إيصال قيمة العمل في مجال المساواة والتنوع والشمول للمؤسسة ككل وللقطاع الأوسع، حيث غالبًا ما يكون الموظفون أكثر دعمًا لمبادرات التنوع، عند النظر إلى الصورة الأشمل بدلًا من التركيز على المؤسسة نفسها، إن التزامهم بهذا العمل قولًا وفعلًا ، ضروري لمواجهة الخطابات السائدة القائمة على المنافسة والتي تُؤثر سلبًا على رفاهية الموظفين.
يُعدّ هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا، يجمع خبرات متخصصة في مجموعة من القضايا الحيوية التي تؤثر على التعليم العالي حاليًا. ويُؤمل أن يُشجع على إيلاء مزيد من الاهتمام لتجارب جميع العاملين في قطاع التعليم العالي، وللعلاقة بين تجارب الموظفين وتجارب الطلاب.




