ثقافة وفن

كتابٌ يبحث في الشخصيّة القصصيّة لدى محمود تيمور

مازالت آثار الكاتب القصصي والمسرحي والروائي المصري محمود تيمور (1894/ 1973)، تثير شهيّة الباحثين، بما حملته من إبداع، وعناصر فنيّة، جعلت منه أحد مؤسّسي فنّ القصّة القصيرة في مصر، والوطن العربي، عموما.

في كتاب “القصّة القصيرة عند محمود تيمور.. الشخصيّة أنموذجا” (دار فهرنهايت للنشر والتوزيع بالجزائر/2024)، للباحثة الجزائرية، د. نجاة تيرس، محاولة للوقوف عند عنصر من عناصر البناء القصصي لدى محمود تيمور، وهو الشخصيّة؛ إذ تعتبر الشخصية الإنسانية، بحسب الباحثة، مصدر إمتاع وتشويق في القصّة لعوامل كثيرة، منها أنّ هناك ميلا طبيعيًّا عند كلّ إنسان إلى التحليل النفسي ودراسة الشخصيات، وربما كان هذا التعاطف معها والميل إليها هو ما نجده عند هذه الشخصية من مشابه لشخوصنا، وبهذا نكون دون أن نشعر أمام عملية بوح واعتراف. وتحفل السنوات العشرون الأخيرة من حياة محمود تيمور الأدبية بأعمال قصصيّة متنوّعة تبدو عليها سمات العبقرية الناضجة؛ فبعدما اهتمّ في بداية حياته القصصيّة بالوصف السطحي لواقع الشخصية، اهتمّ في المرحلة المتأخّرة من مساره القصصي بالتغلغل في أعماق الشخصية والكشف عن كوامنها.

الكاتب المصري محمود تيمور (1894/1973)

وتقول الباحثة في تقديم الكتاب “لم أحصر موضوعي بعد، فمجال القصّة القصيرة شاسع، كما أنّ قاصّنا المختار له أكثر من أربع وعشرين مجموعة قصصيّة، ورغبة في التخصيص، وابتعادا عن التعميم، اخترتُ عنصرًا برع القاصُّ في تصويره وفضّله، على ما يبدو، على غيره من العناصر الأخرى في القصّة إنّه عنصر “الشخصية”، وهو موضوع بحثي عن كيفية تصويرها لدى محمود تيمور في الطورين الفنيّين الأول والثاني”.

وقد ارتأت الباحثة تقسيم هذا الكتاب منهجيًّا إلى فصلين، جاء عنوان الفصل الأول كالآتي (تصوير تيمور للشخصية في المرحلة الأولى)؛ وفيه عالجت الباحثة العديد من العناصر، أبرزُها تصوير الشخصية في إطارها الواقعي، والعامية في الحوار )نماذج من قصص محمود تيمور القصيرة الأولى)، والتركيز على الوصف (الشيخ جمعة أنموذجا)، والاهتمام بالأبعاد الخارجية للشخصية (جسمية، واجتماعية، ودينية، الشيخ جمعة أنموذجا).

وتقول الباحثة “كثيرا ما تكون الشخصية هي العنصر الأهمّ في القصّة، فتبرز وتسيطر بما لها من قوة وجاذبية، وبهذا تكون المحور الذي تدور حوله الأحداث كما أنّ وحدة الحدث لا تتّفق إلا بتصوير الشخصية وهي تعمل. وهذه السيادة والأهمية في القصّة نلمحها بوضوح في قصص تيمور القصيرة، والتي كان اهتمامه بالشخصية أكثر من اهتمامه بالعناصر القصصيّة الأخرى، كالحادثة مثلا، وما عناوين أغلب قصصه إلا دليلا صادقا على هذه الهيمنة بداية بالشيخ جمعة قصّة، وفي نفس الوقت مجموعة قصصيّة، والشيء نفسه بالنسبة للبارونة “أم أحمد”، و”عم “متولي”، و”أبو علي الفنان”، إضافة إلى مجموعات قصصيّة قصيرة، منها “أم سحلول”، و”أبو عرب”، و”حسن أغا “؛ وكلُّها أسماء لشخوص، وهذا الاهتمام يعود أساسا إلى طبيعة قصصه الواقعية”.

أمّا في الفصل الثاني (تصوير تيمور للشخصية في المرحلة الثانية)؛ ناقشت الباحثة عددًا من العناصر، أبرزُها الاهتمام بالبعد النفسي وتحليله في الشخصية القصصيّة نماذج (عبيط …. عبيط!)، و(العدو)، انتصار محمود تيمور للفصحى وتعديل نصوصه العامية، وتجاوز الوصف الخارجي (قصّة العدو.. نموذجًا).

وتؤكّد د. نجاة تيرس، أنّ أعمال محمود تيمور تميّزت بعمق قصصيّ؛ هذا العمق اكتسبه نتيجة اتّصاله بالأدب الأجنبي، وخاصّة الفرنسي منه، كما كان نتيجة طول المراس، وزوال حماسه القومي الذي زال بزوال أسبابه، فأصبحت نظرته أكثر عمقاً وإنسانية، وتغيّرت واقعيته، من محلية إلى تحليليّة، وانجرّ عن هذا الانتقال تغُّيرٌ في الأسلوب، فتضاءلت أهميّة الوصف الذي كان سائداً على غيره من العناصر الأخرى، كما أبدع في تصوير الشخصية التي هي المجتمع، الذي اهتمّ تيمور بتصويره، وتفنّن في رصده، الأمر الذي جعله في طليعة كتّاب القصّة الاجتماعية في الأدب القصصي المصري، والعربي عامة. ونتيجة إصراره على نقل الواقع كما هو، جاءت قصصُه مرآة عاكسة لنقائص المجتمع من غطرسة ونفاق الطبقة الأرستقراطية إلى سذاجة وتوهّم العامة، غير أننا نلاحظ في هذا التصوير ترجيحا لكافة الطبقة الشعبية رغم كونه من المحافظين الأمر الذي جعل “كراتشكوفسكي” يصفه بأنّه “أرستقراطي فلاح”، كما أدّى هذا التعاطف معها إلى المقاربة بينه وبين “تولستوي”.

أمّا تيمور، فيبرّر اهتمامه بهذه الفئة، بحسب ما تذهب إليه مؤلّفة الكتاب، بقوله: “حين جعلتُ الطبقات الشعبيّة مدارًا لكثير من أعمالي القصصيّة كنتُ بحقّ على إيمان بأنّ هذه الطبقات الشعبية هي الحقل الشاسع الخصيب الذي تُصوّر فيه النوازع الإنسانية، ويتمثل فيه الكفاح الاجتماعي في معركة الحياة، فكانت شخصيات هذه القصص شعبيّة قحّة، تعيش، وتتحرّك في أحياء القاهرة، كالحسين، والحمزاوي، وهو ما حدث في قصّة “رجب أفندي” التي تدور أحداثها في هذه الأحياء الشعبية”.

يُشار إلى أنّ د. نجاة تيرس، مؤلّفة هذا الكتاب، باحثة جامعيّة، وكاتبة لها العديد من الإصدارات، أهمُّها “النقد النسوي الجزائري” (2024)، و” تأصيل المصطلح السيميائي” (2024).

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى