سياسة
فخ دونالد ترامب وغضب روسيا.. هل يُدفع الخليج العربي إلى حرب أوكرانيا؟

بقلم: شريف الهركلي
في خضم التحولات المتسارعة على الساحة الدولية، يبرز الحديث عن اتفاقات عسكرية محتملة بين أوكرانيا وعدد من دول الخليج العربي كحلقة جديدة في سلسلة إعادة تشكيل موازين القوى، ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل في الشرق الأوسط أيضًا. هذه الخطوة، إن صحّت، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية التي لطالما اعتمدت على إدارة الصراعات من الخلف، وترك الآخرين في واجهة المواجهة.
يعرف عن دونالد ترامب – رغم خروجه من البيت الأبيض – أنه أحد أبرز منظّري سياسة “الضغط عبر الحلفاء”، وهي مقاربة تقوم على دفع الدول الصديقة للانخراط في صراعات أو تحالفات ذات كلفة عالية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بدور المراقب أو “الوسيط الظاهري”.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يُدفع بالخليج العربي إلى ساحة الصراع الأوكراني الروسي بطريقة غير مباشرة؟ وفي هذا السياق، جاءت تصريحات فولوديمير زيلينسكي لتضيف بعدًا عمليًا لهذا الطرح؛ إذ كشف عن بدء تعاون فعلي مع دول خليجية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، إلى جانب تواصل مع دول أخرى في المنطقة. كما أشار إلى وجود اتفاقيات طويلة الأمد في مجالات التعاون العسكري والدفاعي، وأن أنظمة الاعتراض الجوي الأوكرانية بدأت تُظهر نتائج ملموسة. هذه التصريحات تعكس توجهًا أوكرانيًا لتوسيع شبكة الدعم، لكنها في الوقت ذاته تضع دول الخليج أمام معادلة حساسة، حيث إن أي تعاون عسكري – حتى وإن كان تقنيًا – قد يُفسَّر في روسيا كاصطفاف سياسي مباشر، ما يهدد بإعادة تشكيل العلاقات مع قوة دولية كبرى. اللافت أن هذا السيناريو يعيد طرح مفهوم “الحروب بالوكالة”، حيث لا تكون واشنطن طرفًا مباشرًا، لكنها تظل المستفيد الأكبر من استنزاف الخصوم. فكلما اتسعت دائرة الصراع، زادت الحاجة إلى السلاح والطاقة والتحالفات، وهي مجالات تتفوق فيها الولايات المتحدة.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن إدخال دول الخليج في معادلة الصراع الأوكراني قد يؤدي إلى “إضافة عدادات جديدة” للأزمات، وخلق خطوط توتر لم تكن قائمة، سواء مع روسيا أو داخل الإقليم نفسه، وهو ما قد يربك أولويات المنطقة التي تعاني أصلًا من تحديات سياسية واقتصادية متشابكة.
وهنا يحضر المثل العربي الأبلغ دلالة: “أبعد عن الشر وقنّي له”، أي اصنع حاجزًا بينك وبين الخطر، وخذ أسباب الوقاية قبل وقوعه. وهو تعبير يعكس حكمة سياسية عميقة، تقوم على تجنّب الانخراط في صراعات لا تخدم المصالح الوطنية، بدل الاكتفاء بمراقبتها أو التهوين من آثارها.
في المحصلة، يبقى السؤال الأهم: هل تدرك دول الخليج حدود الانخراط في صراعات بعيدة جغرافيًا لكنها قريبة استراتيجيًا؟ أم أنها ستجد نفسها في قلب لعبة دولية تُدار من خلف الستار، حيث تقاتل أطراف، وتربح أطراف أخرى؟ إن الدعوة اليوم ليست للانكفاء، بل للحكمة؛ بعدم إقحام الدول العربية في تحالفات وصراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، والعمل بدلًا من ذلك على نسج علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما يحفظ مصالح الشعوب ويجنبها كلفة صراعات الآخرين. فالعالم لم يعد يحتمل مزيدًا من “الوسطاء الذين يشعلون النار ثم يعرضون إطفاءها”.




