عبد الحميد سي ناصر لـ “24 ساعة”: الأمير عبد القادر مارس نقدا عميقا للحداثة الغربية

عبد الحميد بريجة
تُعدُّ منطقة معسكر، عاصمة الأمير عبد القادر، ومسقط رأسه، وانطلاقة مقاومته التي أوقدت شعلة الحرية التي بدأها الأمير عبد القادر في هذه المنطقة، وأنارت بعدها عموم الجزائر، وكانت سببا في تواصل الكفاح الجزائري إلى غاية ثورة نوفمبر المباركة.
في هذا الحوار، يتحدّث الباحث، عبد الحميد سي ناصر، لـ “24 ساعة”، عن مجابهة الأمير عبد القادر للأفكار الغربية الكولونيالية.
والباحث، عبد الحميد سي الناصر، من مواليد 1969 بمعسكر، تخصّص في الإعلام الآلي، مُهتمٌّ بالمجال الثقافي، منذ 1993، وسبق أن أسّس العديد من النوادي الثقافية، بداية بنادي المعرفة، ومرورا بنادي ألوان، وانتهاء بنادي البيان. كما نشر العديد من المقالات الفكرية في بعض الجرائد الجزائرية، وشارك في بعض الحصص الثقافية بالإذاعة الثقافية.
كيف بدأت تجربتك البحثيّة مع الأمير عبد القادر؟
للأمانة، أنا لستُ متخصّصًا في تاريخ الأمير عبد القادر، ولا أدّعي ذلك، لكن بحكم مركزية تجربة الأمير عبد القادر في التاريخ الجزائري خاصّة، والتاريخ الإنساني عامة، وانطلاقا من بعض النقاشات التي جرت بيني وبين بعض الأصدقاء، دفعني ذلك إلى إعادة قراءة سيرته وتاريخ جهاده ونضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ممّا أثار لديّ بعض التساؤلات والإشكالات، من بين هذه التساؤلات: لماذا يهتمُّ جلُّ الباحثين والدارسين لتاريخ الرجل بالجانب الجهادي، أو في أحسن الحالات، بالجانب الأدبي من سيرته، رغم أهميتها طبعا، ولم ينصبّ اهتمامهم على الجانب العقلي في شخصيته، خاصّة وأنّ هذه العبقرية التي أسّست للدولة الجزائرية الحديثة تقف خلفها رؤية نظرية عميقة استطاعت أن تبدع في تأسيس الدولة حينها من جهة، وأن تمارس الفعل الجهادي بشكل مُتميّز وراقي حين كانت أخلاقه تسبق سيفه، ممّا يدلل على أن الرجل كان يحمل رؤية تجديدية، فاتّجهتُ إلى قراءة كتاب “المقراض الحاد”، باعتباره كتابا يشرح بعمق تصوُّره الكلي لمفهوم العقل وأهميته في تحقيق صفة الكمال الإنساني لأنه، أي العقل، الخاصية التي ميّز بها الله تعالى هذا الكائن المكرّم، ليتّضح لي من خلال قراءتي للكتاب، بالإضافة الى اطّلاعي على الظروف التي ألف فيها، أو هذه الرسالة – كما يقول البعض – أي مرحلة الأسر من 1849-1852، أنّ الأمير عبد القادر مارس نقدا عميقا للحداثة الغربية في صُورتها الفرنسية، وأنّ الكتاب جاء بعد محاولة بعض القساوسة الفرنسيين إتّهام المسلمين، ومن خلفهم الإسلام، بعدم الوفاء بالعهود، فكان التساؤل بعد ذلك لماذا لم يكن جواب الأمير مقتصرًا على تذكير فرنسا بتنكرها للعهود التي أبرمتها معه خلال مقاومته لها؟، كما كان بإمكانه أن يستدلّ على حنث فرنسا للعهود وعدم الوفاء بنقضها للاتفاقية التي أبرمتها معه حين تعهّدت بالسماح له بالذهاب إلى الاسكندرية بعد اتفاقها معه بوقف الحرب، فيكون بذلك قد رمى الكرة في مرمى فرنسا، إلا أنه آثر تأليف كتاب كامل يشرح فيه تعاليم الإسلام وقواعده انطلاقًا من تحديد مفهوم العقل والدين والأخلاق، وهذا ما يدلل، في رأيي، على أنّ الرجل فهم جوهر السؤال وحقيقة هذا الاتهام، وأدرك بروحانيته المتعالية وعبقريته المتميّزة، أنّ السؤال أكبر من مسألة الحنث بالعهود، وأنّ الجواب يجب أن يكون نقدا كليا لرؤية فرنسا للمفاهيم المؤسّسة للفعل الحضاري الكلي، أي تحديد معنى ومفهوم العقل. وهذا ما حاولتُ أن أشرحه في مقال كنت نشرته سابقا.
هل يمكن أن تحدثنا عن البعد الأخلاقي في مقاومة الأمير عبد القادر؟
هذا سؤال مهم جدا. لعلّ العوامل التي مكّنت الأمير من تسجيل اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الإنسانية هو قدرته على تجسيد الأخلاق التي كان يؤمن بها في حياته، سلما وحربا؛ وهي الأخلاق التي استمدّها من تعاليم دينه، وسيرة سلفه.
ومن هنا نستطيع دعوة شبابنا اليوم إلى أن يجعلوا من الأمير عبد القادر، وعبد الحميد بن باديس، والعربي بن مهيدي، ورجالات الثورة الجزائرية، نماذج يُقتدى بها، لأنّها التعبير الحقيقي عن شخصيتنا كأمة، خاصّة وأنّ العالم اليوم تسوده هيمنة ثقافة الحضارة السائدة التي تريد مسخ الثقافات الأخرى، وتجرديها من هويتها وخصوصيتها من خلال ما يستهلك من قيمها بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. وعليه، فإنّ هذه الشخصيات، التي تنتمي إلينا وننتمي إليها، جديرة بأن تكون نماذج واقعية لشبابنا اليوم للمحافظة على خصوصيتنا الثقافية والحضارية.
هل تفكر في جمع التراث الشعبي لمنطقة معسكر؟
هذا أمرٌ يحتاج إلى جهد المتخصّصين، لكن نحن في نادي البيان، النادي الذي ننشط فيه حاليا، نعمل على إبراز تراث المنطقة، سواء الثقافي أو العلمي، خاصّة وأنّ منطقة معسكر، تزخر بالكثير من العلماء والمشايخ، كالعلامة أبي راس الناصري، وقد قدّمنا الكثير من المحاضرات، ونظمنا العديد من الندوات، في هذا السياق، بالتعاون مع الجامعة، واستضفنا العديد من الأساتذة الباحثين في التراث المحلي، خلال سنوات نشاط النادي، وسنعمل، في المستقبل أيضا، على ذلك إلى جانب النشاط المركزي للنادي الذي هو الاهتمام بالفكر والفلسفة.




