مجتمع مدني
طهاة جزائريون ينافسون النساء في الطبخ ويصنعون التميز!

لم تعد ظاهرة “الطبخ الرجالي” في الجزائر مجرّد موجة عابرة على منصات التواصل، ولا مجرد محتوى مسلٍّ يُستهلك من باب الترفيه، بل تحول إلى حركة فعلية داخل الفضاء الرقمي، صنعت أسماءً ونجومًا، ودفعت البعض إلى الانتقال من مطبخ البيت إلى استوديوهات القنوات التلفزيونية، لتشكّل اليوم أحد أكبر مسارات المحتوى انتشارًا وتأثيرًا في المجتمع.
هذه الظاهرة لفتت الانتباه ليس فقط لأنها كسرت الأعراف التقليدية المتعلقة بالمطبخ كمساحة نسائية، بل لأنها أعادت تعريف المهنة وطوّرت أداءها، ومنحتها حضورًا شبابيًا جديدًا. بداية القصة طباخ بأحد المطاعم الشعبية أو الحديثة، يعود إلى بيته بعد يوم شاق وطويل، وبدل أن يستلقي على سريره، يقوم بإعداد أكلة أو حلويات أمام كاميرا الهاتف، ثم يقوم بنشر الفيديو على صفحته الخاصة على اليوتيوب. هذه المقاطع القصيرة، التي صُوّرت من دون تجهيز مسبق، أحدثت أوسع تأثير لأنها كانت صادقة وبسيطة. لماذا برز الطهاة الرجال؟ الترفيه أولًا… ثم الطبخ القنوات الرجالية تعتمد أسلوبًا قريبًا من روح الكوميديا العفوية، فالطاهي يمزح، يتردد، يخطئ، ثم يستمر. هذا السلوك يخلق مع المشاهد علاقة غير رسمية، ويجعل الجمهور ينتظر اللحظة الطريفة مثل انتظاره للوصفة نفسها.
الهوية الجزائرية المعاصرة هؤلاء الطهاة يمزجون بين الأكلات التقليدية واللمسات العصرية، ويحافظون على الروح الجزائرية في الطهي، وهو ما يمنحهم قربًا ثقافيًا من الجمهور داخل البلاد وخارجها. المطبخ كمساحة مشاركة يدخل الرجل المطبخ اليوم ليس بدافع الضرورة فقط، بل كتجربة شخصية، هواية، وشكل من أشكال التعبير الذاتي، هذا الوعي الجديد وجد صداه لدى الجمهور. تخفيف الفجوة بين الطاهي والمتابع العرض البصري بسيط، ومعدّات المطبخ شائعة، والخطوات غير معقدة، مما يمنح المشاهد إحساسًا بأنه قادر على تنفيذ الوصفة فورًا.
الدعاية الذاتية بدون تكاليف منصات مثل يوتيوب وتيك توك مكّنت الطهاة من نشر محتوى دون الحاجة لجهة إنتاج، وهذا ما منحهم حرية واستقلالية في تقديم شخصيتهم كما يريدون. يوتيوب… بوابة نحو التلفزيون أمام هذا الانتشار الكبير، بدأت القنوات التلفزيونية الجزائرية، العامة والمتخصصة، تراقب هذه الظاهرة باهتمام. وبعد أن كانت برامج الطبخ حكرًا على الشيفات المحترفات، دخل الرجل بقوة ليشغل مكانا بارزا في الشبكة البرامجية. القنوات رأت في هؤلاء الطهاة: جمهورًا جاهزًا ينتقل معهم من الشاشة الصغيرة إلى الكبيرة. لغة شبابية تكسر الجمود في البرامج التقليدية. حضورًا ذكوريًا خفيف الظل يجذب شرائح واسعة من المتابعين. محتوى جاهز يصعب منافسته بسبب قربه من الناس وقدرته على صنع التفاعل. وبالفعل، نُقلت عدة أسماء من يوتيوب إلى برامج صباحية ويومية، بعضها يُعرض على قنوات وطنية معروفة، حيث يقدم الطهاة حلقات متخصصة، ويكرسون أسلوبهم الخاص داخل قالب تلفزيوني أكثر احترافًا. اقتصاد جديد… الطاهي كمؤثّر رقمي لم يعد الطباخ الرجل مجرد صانع محتوى، بل أصبح مؤثرًا رقميًا له سوقه المستقل: عقود رعاية مع علامات تجارية للأواني المنزلية شراكات مع شركات الأغذية حملات تسويق عبر مواقع التواصل كتب وصفات تُباع إلكترونيًا ورشات ودورات مدفوعة مطاعم ومشاريع تجارية تحمل أسماء قنواتهم اليوم، يملك بعض الطهاة الرجال فرقا صغيرة لإدارة المحتوى، وخبراء في السوشيال ميديا، وجدول تصوير أسبوعي، ما يجعل نشاطهم أقرب إلى مؤسسة إعلامية مصغّرة. تأثير اجتماعي لا يُستهان به الظاهرة تتجاوز مجال “فن الطهي”، وتمتد إلى التغيير الاجتماعي: إعادة النظر في توزيع الأدوار داخل البيت تحسين صورة المهنة وإخراجها من القوالب النمطية تشجيع الشباب على التعلم والاعتماد على النفس تعزيز قيمة الهوية الغذائية المحلية فتح باب جديد للابتكار في المحتوى الرقمي لقد أصبح الرجل الطاهي نموذجًا ملهمًا، ليس لأنه يحضّر الطعام فقط، بل لأنه يعكس قدرة الفرد على تحويل هواية بسيطة إلى مشروع مؤثر.
إلى أين تتجه الظاهرة؟ كل المؤشرات تقول إننا أمام بداية لحقبة جديدة، لا نهايتها، فمع تطور تقنيات التصوير، وازدهار المنصات الرقمية، وإقبال الشباب على المحتوى القصير، ستتعاظم هذه الظاهرة، وسيظهر المزيد من الطهاة الرجال الذين يطمحون للانتقال من هواتفهم إلى التلفزيون، ومن مطابخهم إلى مشاريع واسعة.




