صوت وصورة
صناعة الطواجين.. حرفة المرأة الريفية لكسب لقمة العيش بولاية المدية

بلال سناء
لا يزال ” طاجين الطين” الذي يستعمل لطبخ الكسرة بأنواعها الهوية والحرفة المميزة لنساء ارياف وقرى ولاية المدية، إذ اعتادت النساء على إستخدامه لصنع الخبز المنزلي المميز، ومع تطور الحياة في شتى المجالات الا ان طاجين الطين او طاجين الكسرة كما يعرف محليا مازال محافظا على وجوده ومتمسكا بحمل عبق الريف الجزائري، ، المرأة الريفية في ولاية المدية كغيرها من النساء الريفيات في الجزائر، توارثوا صناعة الطاجين الفخار من الأجداد واصبح مصدر رزق للكثير من العائلات اين تتفنن فيه أنامل النسوة رغم إستعمالهن لطرق ووسائل جد تقليدية.
طاجين الطين يقاوم رياح التطور
لا يكاد يخلو بيت جزائري من طاجين الطين الذي يعد حضوره أساسيا لتحضير أنواع الخبز التقليدية على غرار” المطلوع” والكسرة، ويزيد الطاجين في أيام الشتاء البيت دفئا وهو فوق الفرن التقليدي المعروف بالطابونة ويلتف أفراد الأسرة في إنتظار نضج الكسرة والمطلوع اللذان يعشقهما الجزائريون كثيراً، وعادة ما يرفق المطلوع بالزبدة او زيت الزيتون لإضفاء نكهة خاصة، طاجين الطين او الطاجين هكذا يطلق عليه في كل ربوع الوطن، استخدم منذ القدم في تحضير الخبز التقليدي الذي يطلق عليه بالعامية الجزائرية الكسرة أو المطلوع، يصنع الطاجين من الطين وهو يشبه صحن كبير وله جدار على إرتفاع قليل من قاعدته، الطاجين يستخدم بكثرة خاصة في الأرياف، بينما يكاد يكون منعدم في المدن بوجود طاجين صناعي يستخدم بكثرة في تحضير خبز المطلوع، وحلويات شعبية أخرى مثل” الحرشة”، في وقتنا الحالي اصبح الخبز الذي يباع في المخابز الأكثر مبيعا واستهلاكا من قبل الأسر الجزائرية ويعود هذا طبعا إلى خروج المرأة للعمل، فظروفها لم تعد تسمح لها بتحضير خبز الدار مع تزايد مسؤولياتها داخل وخارج البيت، ولكن رغم كل ذلك إلا أن خبز الدار لا زال يستهلك في البيت الجزائري، وحتى تجارته أصبحت رائجة، واصبح ينافس خبز المخابز في رفوف محلات بيع هذه المادة الحيوية التي يستهلكها المواطن الجزائري بكثرة.
الحاج محمود: زوجتي تعمل في صناعة طاجين الطين منذ زمن طويل
ونحن نتجول في أحد شوارع مدينة البرواقية ولاية المدية لفت انتباهنا شيخ يعرض أحجاما وأشكالا من الطواجن، وذلك على قارعة الطريق في وسط المدينة سألناه عن عمله فقال زوجتي تعمل في صناعة طاجين الطين منذ زمن طويل فهذه الحرفة تعلمتها عن أمها وجدتها وهي متوارثة في العائلة وهي مصدر رزق لي أنا وزوجتي وأولادي ولا يوجد مصادر رزق اخر للعائلة وأشار إلى أن صناعة طاجين الكسرة يحتاج إلى مادة الطين الخام ويخلط هذا الطين مع بعض الماء موضحاً ان صناعة طاجين الطين الواحد قد يستغرق بين ساعتين إلى خمس ساعات تقريبًا ويكون على مرحلتين الأولى هي القولبة حيث يتم بسط الطين المعجون بطول 40 سنتيمترا تقريبا ويكون شكله دائريا ثم تصنع له الحوافي لغرض الحفاظ على الكسرة داخله دون أن تمسها النار وحتى لا تحترق ويترك بعد ذلك حتى يجف، وهذه هي المرحلة الثانية والأخيرة، ويضيف الحاج محمود قائلا لم يعد الإقبال كبيراً على طاجين الكسرة في المدن كالسابق وهذا بسبب توفر المخابز ، وعدم إقبال نساء اليوم على طبخ الكسرة باستمرار، مضيفاً انه مازال بعض الناس لا يأكلون سوى خبز المطلوع بطاجين الطين، وهؤلاء يشترون طواجنهم كل بضعة أشهر تقريباً لأنها تبدأ بالتكسر والتشقق تدريجياً.
الحاجة أم الخير: ورثت حرفة صناعة طاجين الطين عن والدتي
تروي الحاجة أم الخير من إحدى أرياف ولاية المدية وبالضبط من بلدية بوعيشون بأنها ورثت حرفتها في مجال صناعة طاجين الطين عن والدتها رحمها الله، وهي حسبها متوارثة في العائلة وهي مصدر رزق للحاجة أم الخير حتى تساعد زوجها الفلاح البسيط في مصاريف البيت خاصة مع غلاء المعيشة تقول أم الخير عن كيفية صناعة الطاجين انه يتم أولا تجهيز الطين عن طريق الإختيار النوع المناسب ثم تبدأ بتشكليه يدويا وتتركه ليجف تماماً حتى يتماسك ويصبح صالح للاستعمال وتضيف الحاجة أم الخير أن صناعة طاجين الطين لطهي الكسرة بأنواعها هو موروث تقليدي لا تزال تحافظ عليه النساء الريفيات في العديد من مناطق الوطن، موضحة أن طاجين الطين هو الهوية المميزة للأرياف وللكثير من مناطق الوطن إذ تعتمد النساء عليه لطهي الخبز المنزلي الكسرة او المطلوع بالرغم من تطور وسائل الحياة الا أن طاجين الطين ظل يحمل أصالة الأجداد، وتضيف الحاجة أم الخير أن العروس كانت في الزمن الجميل تأخذ الطاجين ضمن شورتها وجهازها وكثيراً ما كان الرجال حسبها يرفضون الزواج بامرأة لا تتقن طبخ و طهي الكسرة على طاجين الطين.
السيد أحمد: كسرة طاجين الطين أكثر صحة وعافية
خلال حديثه معنا أوضح السيد أحمد أنه شخصياً لا يشعر بالشبع وبلذة الطعام دون كسرة الطاجين الساخنة من أيادي زوجته التي تتفنن في صناعة الكسرة عكس بناته اللواتي لا يستهويهن صناعة الكسرة كما أضاف أن خبز المطلوع او الكسرة أكثر عافية وصحة من باقي أنواع الخبز خاصةً إذا كان مرفوقا باللبن أو الرايب او التمر، مضيفاً قائلا لقد كانت والدتي رحمها الله تصنع الطواجن وتبيعها وكان الإقبال عليها أكثر من هذا الوقت مع التطور واستخدام غاز البوتان وانتشار المخابز وبيع أنواع مختلفة من الخبز.
الحاجة ربيعة تبدع في صناعة الأواني الطينية
الحاجة ربيعة امرأة تجاوزت الستين من عمرها، وخلال كلامها معنا، تحدثت بحب وشغف عن مهنتها في صناعة الأواني الطينية التي بدأتها منذ بلوغها سن 15 سنة، وها هي اليوم تتفانى فيها ولم تهجرها على الرغم من وضعها الصحي المتردي أحيانا وكبر سنها، تقول الحاجة ربيعة انها تجلب الطين من الجبال القريبة لقريتها في إحدى قرى المدية ومن ثم تغربله ليصبح كالدقيق، وتبلله فيما بعد وتتركه ليرتاح ليلة كاملة، وصبيحة اليوم التالي تصبح العجينة أكثر تماسكا، وقابلة للتشكيل، فيكون بإمكانها حينها أن تصنع منها الأواني المنزلية اعتماداً على اليدين بشكل أساسي، وقطعة فخارية دائرية مسطحة يوضع عليها الطين أثناء تشكيله، مضيفة أنه في مرحلة أخرى يتم تجفيف الأواني لبضع الوقت قبل أن تحرق، وهي عملية تهدف إلى جعل الأواني متماسكة أكثر وقابلة للطبخ و الاستعمال، من أكثر الأواني الفخارية التي يتم تشكليها تقول الحاجة ربيعة هي طاجين لصناعة الكسرة او المطلوع، وقدر و اواني لطبخ الشاي و ختمت الحاجة ربيعة حديثها قائلة إن مهنة صناعة الأواني الطينية التي التحقت بها منذ الطفولة شاقة جداً لاسيما مرحلة جلب الطين من الجبل التي تعد الأصعب ورغم مشقة العمل تبقى حرفة الحاجة ربيعة هي المعيل الوحيد لأسرتها بعد وفاة زوجها الذي لم يترك لها أية منحة لتعيش بها مع أولادها.




