ثقافة وفن

“صراعُ الوجوه”.. تجليات ظاهرة “التنمُّر” في المسلسلات التركية

تعالجُ الباحثة أميرة ريان حابس، في كتابها “صراع الوجوه.. الدراما التركية وخطاب التنمُّر” (237 ص)، الصادر عن دار ألفا دوك للنشر والتوزيع، واحدة من أهمّ الظواهر الاجتماعية التي طفت على السطح بفعل الطفرة التي شهدتها وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي الحديثة، وهي “التنمُّر” التي أصبحت تُشكّل صداعًا للأفراد والجماعات بسبب آثارها السلبية على نفسيات ضحايا هذه الظاهرة.

وتنطلق الباحثة في دراستها العلميّة من تلك النقلات النوعية الملفتة للانتباه التي شهدتها الساحة الدرامية؛ حيث صارت المسلسلات بمختلف أنواعها تستقطب جماهير كبيرة مترامية ومتنوّعة، الأمر الذي استدعى توجُّها لكُبريات شركات الإنتاج إلى الاهتمام والعناية بهذا الفضاء الخصب والواعد، مستفيدة من تجارب سينمائية ثقيلة؛ إذ صارت المسلسلات العالمية تغترف، أكثر فأكثر، من فلسفة السينما، من حيث الإخراج والرؤية والصورة والتكثيف إلخ، وصرنا بالتالي أمام مسلسلات حاملة لمعاني أكثر كثافة، من أيّ وقت مضى، وصرنا أمام ما يشبه مدارس في هذا المجال، فهناك المسلسلات الأمريكية، والإسبانية، والألمانية، والمكسيكية، والكورية، والتركية…إلخ، ولكلّ منها ما يُميّزه من لمسات فنيّة وخصوصيّة ثقافية تستقطب جمهورا خاصّا بها.

ومن أهم تلك المسلسلات، التي شهدت زخما ورواجا منقطع النظير في المنطقة العربية في السنوات القليلة الماضية، بحسب مؤلّفة هذا الكتاب، نجد المسلسلات التركية؛ التي عرفت تطوُّرا مُهمّا من حيث الشكل والمحتوى؛ تطوّرٌ كان له أبعادًا وتجليات ثقافية واجتماعية وسياحية واقتصادية، بل وحتى سياسية، وهو ما جعل صُنّاع هذه المسلسلات يتنافسون في جذب انتباه واهتمام ودهشة المشاهدين، ليس فقط من ناحية الإخراج واختيار النجوم (وهم نتيجة هذا التطوُّر أيضا)، بل أيضا وهذا الأهم، من ناحية اختيار المواضيع التي تمسُّ مشاعر وعاطفة المشاهد بشكل مباشر أكثر، ثم الإبهار في طريقة معالجة تلك المواضيع، وتجسيد العديد من المعضلات متعدّدة الأبعاد (الثقافية والسياسية والاجتماعية).

وتؤكّد الباحثة بالقول “ممّا حاولت هذه المسلسلات مؤخّرا الاقتراب منه والتعمُّق فيه، هو التطرُّق إلى مختلف القضايا التي يعيشها الشباب ويعايشونها في سنّهم الحرج هذه، مثل العلاقات العاطفية، والعلاقات الأسرية، وعلاقات الصداقة، وبعض السلوكيات السلبية التي يعانون منها، مثلما هو الحال مع المسلسل التركي الجديد المعنون بـ (اسمعني) الذي تطرّق صُنّاعه من خلاله إلى رسالة مهمّة جدا تتمثل في أنّ الصراع الطبقي يأخذ أشكالا كثيرة ويفرز تجليات ومآلات عديدة؛ منها بعض الظواهر العدوانية الخطيرة، وأحد تلك الظواهر يأتي “التنمُّر”، كشكل من أشكال الإيذاء التي تُخلّف ألمًا نفسيًّا طويلا”.

وتضيف “التنمُّر يعكس أيضا فكرة أنّ الطبقات لا تتصارع فقط من أجل التاريخ بل إنّ الصراع نفسه يؤدّي لصنع الهوية، خاصّة إذا علمنا أنّ للتّنمر، بأيّ شكل من أشكاله أو لأيّ سبب، آثارٌ وخيمة؛ فورية أو متوسطة أو طويلة المدى، ليس فقط على المتنمّرين والمُتنمَّر عليهم، ولكن أيضا على كلّ من يحيط بهم وله علاقة مباشرة بهم. وبالتالي، فالتنمُّر بوصفه نوعا من أنواع الصراع، لا يعكس فقط حالة عابرة من النزاع بين فردين، أحدُهما يملك القوة والسلطة والثاني لا يملكهما، بل إنّه يمثل أيضا وأعمق من ذلك صراعا هوياتيا وصراعا من أجل تشكيل مسار ثقافي ونفسي واجتماعي لمختلف الأطراف المتصارعة”.

وترى أميرة ريان حابس بأنّ “التنمُّر عادةً ما يكون منتشرا أكثر في المدارس والمؤسسات التعليمية بمختلف أطوارها، وفي الغالب ما يكون الأطفال الذين يتمُّ استهدافهم من قبل المتنمّرين هم أولئك الذين ليس لديهم العديد من الأصدقاء أو الذين يبدو عليهم عدم انسجامهم مع الجو العام السائد في المحيط التعليمي، وغالبًا ما يتعرّضون للتنمُّر على أساس قدراتهم الاجتماعية أو سماتهم الجسدية، مثل المظهر المختلف أو الإعاقة أو السمنة، وعادة ما تتجلّى مظاهر التنمُّر في هذا العمر في المضايقة أو النبذ الاجتماعي والعزلة عن الأنشطة الجماعية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى