ثقافة وفن

سُليمى رحّال.. عودة الشاعرة التي كتبت بالبياض والفراغ

بعد أربع سنوات من رحيلها، تعود الشاعرة الجزائرية سُليمى رحّال (1970 – 2021) إلى قرّائها بحضورٍ جديدٍ نابضٍ بالشعر، من خلال إصدارين يحمِلان نكهة الوداع واستمرار الحياة في آنٍ واحد. صدر الديوانان عن دار سليمى رحّال للنشر والتوزيع، ويحمل الأول عنوان “إيّان.. أنّى.. لماذا؟”، فيما جاء الثاني بعنوان “نجمة في صحن الساحرة”. وهما عملان يفتحان نافذة على عالمٍ شعريّ ظلّ متّقدًا بالأسئلة والرؤى حتى اللحظة الأخيرة من مسيرتها.


شاعرة الضوء والفراغ

يضمّ ديوان “إيّان.. أنّى.. لماذا؟” قصائد كتبتها رحّال في تسعينات القرن الماضي، حين كانت ما تزال في الجزائر قبل انتقالها إلى القاهرة. وهي قصائد تكشف عن نزعتها الحداثية المبكرة واشتغالها على البُعد البصري في النصّ الشعري.
فالقصيدة عندها ليست مجرّد كلمات تُلقى على الورق، بل هي تشكيل بصريّ يتّخذ من الصفحة فضاءً دراميًا يعبّر عن الفكرة كما يعبّر عنها المعنى.
كانت رحّال تكتب القصيدة كما يرسم الفنان لوحته: توزّع النصّ، وتتحكّم في البياض والفراغ، وتُفعّل علامات الترقيم بوصفها أدوات إيقاعية ودلالية.
بهذا المعنى، تتحوّل قصيدتها إلى بورتريه شعريّ، حيث اللغة ملامح، والصمت ظلّ، واللون امتداد للوجدان.


“نجمة في صحن الساحرة”: القصيدة التي تتهرّب من الطاعة

أمّا ديوان “نجمة في صحن الساحرة”، فقد قدّمه الشاعر نور الدين مبخوتي بمقدّمة نقدية لافتة بعنوان “القصيدة – الديوان أو الكتابة الشذرية عند الشاعرة سُليمى رحّال”.
يصف مبخوتي تجربة رحّال بأنها عصيّة على التلقّي، زئبقية، متمرّدة، لا تنقاد بسهولة إلى أعراف الشعر المألوف، ولا تهادن الذائقة المطمئنة إلى الوضوح.
إنها كتابة تتطلّب قارئًا يمتلك ذائقة متعدّدة وجرأة على الخوض في الغموض الجميل، لأن شعرها لا يُقرأ بقدر ما يُعاش، ولا يُفكّك بقدر ما يُستشعر.


حداثة بلا تراث.. وصوفية بلا أسماء

يرى مبخوتي أنّ المرجعيات الثقافية التي تستند إليها الشاعرة حداثية في جوهرها، منفتحة على الفسيفساء العالمية للشعر، وليست متكئة على التراث العربي إلا في بعض الرواسب الصوفية التي تتسرّب إلى نصوصها بعمق الحدس لا عن قصد الاستدعاء.
تتجلّى هذه النزعة الصوفية في اعتماد الكتابة الشذرية، وفي رمزية الكائنات مثل الطير، وفي توظيف الترقيم العددي (1-2-3)، إضافةً إلى شعرية الحذف والفراغ، التي تمنح النصّ بعدًا تأمليًا مفتوحًا على اللانهائي.


القصيدة – الديوان: بناء الحلم والدراما

في قراءته النقدية، يُدرج مبخوتي شعر رحّال ضمن ما يُعرف بـ القصيدة – الديوان، وهي القصيدة الطويلة التي تنمو ككائن حيّ في امتداد الزمن واللغة، متجاوزةً البنية التقليدية للقصيدة القصيرة.
هذا الشكل التعبيري، كما يصفه، يقوم على النَّفَس الطويل والتدفّق الدرامي الناتج عن تصادم الإرادات وتعدّد الأصوات داخل النص، بما يجعل القصيدة أقرب إلى التركيب المسرحي الشعري.
ومن خلال هذا البناء، تستثمر سُليمى رحّال التداعي الحرّ، أحد أبرز عناصر الكتابة السوريالية، لتفتح القصيدة على فضاء الحلم واللاشعور، بعيدًا عن صرامة المنطق وحسابات المعنى.


شاعرة الحلم والجرأة

لقد ظلّت سُليمى رحّال تكتب بمزيجٍ من الحسّ الأنثوي والرؤيا الكونية، وبإصرار على أن تكون القصيدة فعلَ حرية لا تابعًا لأي قيدٍ جمالي أو أيديولوجي.
وفي ديوانيها الجديدين، يكتشف القارئ شاعرة تكتب بالبياض كما تكتب بالكلمة، وتجعل من الصمت شريكًا للقصيدة، ومن الحلم منبرًا للقول الإنساني.

بهذا المعنى، فإنّ صدور هذين العملين بعد رحيلها ليس مجرّد استذكار لشاعرة رحلت، بل هو عودة لروحٍ ما تزال تضيء بالكلمة، وتذكير بأن الشعر، حين يكون صادقًا، لا يعرف الغياب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى