سلسبيل مرحوم: نحن نحاول كمعماريين الحفاظ على الهوية المعمارية للجزائر

حوار/ عبد الحميد بريجة
يبقى التراث المادي، في شقه المعماري، مُهمًّا جدا، كواجهة لحماية التراث الثقافي ككل لأيّ بلد في العالم، كيف لا وهو يُعبّر أيضا عن تلك التقاليد والأنماط، وكل تلك التقنيات المستعملة في البناء، وهي تعكس الموروث الشعبي والديني لهذا البلد أو ذاك، وهذا ما يجمع بين الجزائر والطراز النيوموريسكي، وهو ما يعمل على الترويج له بعض المعماريين المدافعين عن التراث الوطني، على غرار المعمارية سلسبيل مرحوم.
من هي سلسبيل وما علاقاتها بالهندسة المعمارية؟
سلسبيل مرحوم، مهندسة معمارية ومُصمّمة ديكور داخلي، خرّيجة قسم الهندسة المعمارية بجامعة صالح بوبنيدر بقسنطينة الذي يعتبر من أعرق أقسام الهندسة المعمارية في الجزائر. أعمل كمهندسة معمارية في مديرية التجهيزات العمومية بولاية تيبازة، كما أقوم بتصميم المخططات المعمارية وتصاميم الديكور الداخلي. لي أيضا الخبرة في مجال التكوين في مجال التصميم الداخلي، حيث قمت بدورتين ناجحتين في هذا المجال في مدينة عنابة سنة 2021. أما عن علاقتي بالهندسة المعمارية فهي علاقة شغف وعشق لهذا الفن الراقي الذي اخترت الغوص في أعماقه واستخراج درره الثمينة.
يهمُّنا نحن كمختصّين بالتراث الثقافي الجزائري، معرفة كيف تحافظون أنتم كمعماريين على الطراز الموريسكي الجديد؟
في ظل التهديد الذي يطال الهوية المعمارية الجزائرية في عصرنا الحاضر، نحاول نحن كمعماريين المحافظة على كل ما هو موروث معماري ومن بين أهم الموروثات المعمارية: الطراز النيوموريسكي الذي يجب علينا أن ننشر خصائصه المميزة مثل: الأقواس، الزخارف، القبب والمآذن الرمزية واستخدامها بطريقة ملائمة للوظائف المعاصرة. ترميم المباني التاريخية ذات هذا الطراز أيضا من أهمّ طرق حمايته من الاندثار. كما أرى أيضا أن القيام بورشات ومعارض حول هذا الطراز ملهم للمهندسين الشباب ويساهم في ترسيخه في أذهانهم. وأهم شيء في نظري هو اعتماد دفاتر شروط ودساتير عمرانية تراعي الخصوصيات المعمارية المحلية.
الجزائر هو البلد الذي أنشأ فيه هذا النمط الموريسكي الجديد، وهو غنيمة حرب! لكنها اعتراف بتاريخ وتراث الجزائر المعماري من طرف الاستدمار الفرنسي لأهداف إستعمارية بغيضة!
الطراز النيوموريسكي نشأ في الجزائر في سياق استعماري، حيث أراد المستدمر من خلاله أن يصنع “واجهة إسلامية ” متحكم فيها من خلال محاولة إرضاء للسكان المحليين دون منحهم استقلالا حقيقيا في ظل سياساته التي كان يحاول فيها التلاعب بالجزائريين، حيث شيدت أغلب المباني الموريسكية آنذاك لخدمة الإدارة الاستدمارية، اذن يمكن اعتباره محاولة تدجين للتراث أي استخدام رموزه مع ترك روحه الأصلية، لكن لا يمكن إنكار أنه أعاد إحياء عناصر معمارية إسلامية وخلق توجها نحو الهوية المحلية في التصميم إذن هو غنيمة واقع واعتراف بالطراز المغاربي الجزائري الإسلامي. وفي وقتنا الحاضر أصبح هذا الطراز جزءا من الذاكرة المعمارية الجزائرية التي يجب المحافظة عليها.
وبما أن الطراز النيوموريسكي هو طراز قام على أنقاض طراز موريسكي أي مغاربي قديم ينطلق في الجزائر بالتحديد من القلعة الحمادية إلى الأندلس، وبعدها إلى العالم.

الجزائر أيضا البلد هي الأصلي للزليج، كيف تساهمون في الحفاظ على استعماله في البناء الحديث؟
نحن كمعماريين، نساهم في الحفاظ على استعمال الزليج في التصاميم الداخلية والخارجية من خلال التوظيف الذكي للزليج أي استخدامه كعنصر تركيزي في أماكن بارزة من التصميم كالخلفيات، المداخل أو جدران البهو. نقوم أيضا بتصميم الزليج بأسلوب معاصر يتماشى مع مينيمالية التصاميم الحديثة. والجدير بالذكر هو ضرورة المحافظة على الحرفة التقليدية لصناعة الزليج من خلال دعم الحرفيين وإقامة ورشات تعليمية ضمن المشاريع وخارجها.
هل هنالك مخطط من قبل الهيئات المعمارية والمعماريين عموما بخصوص الحفاظ على التراث المعماري الجزائري أم أنّ هذه المبادرات تبقى لا علاقة لها بهذا الهدف؟
بشكل عام نعم توجد مخططات وهيئات رسمية تعمل على الحفاظ على التراث المعماري في الجزائر، لكن فعالية هذه الهيئات والمخططات تتفاوت بشكل كبير وغالبا ما تبقى دون التأثير المطلوب لأسباب متعددة منها نقص التمويل، وقلة الوعي العام، وتضارب المصالح بين التطوير الحضري والحفاظ على التراث.
هناك قوانين وتشريعات تخص المحافظة على التراث المعماري الجزائري مثل قانون 98_04 المؤرخ في 15 جوان 1998 الذي يشمل تصنيف المواقع والمعالم التاريخية، وتنظيم الترميم وإعادة التأهيل وعقوبات المساس بالممتلكات المحمية. كما هنالك مؤسسات رسمية مختصة بهذا الشأن، مثل: الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية OBGEBC الذي يشرف على المعالم المصنفة وعمليات الترميم. وهناك أيضا الوكالة الوطنية لتطوير الثقافة ANDC التي تساهم أحيانا في مشاريع الترميم والتثمين، كما للبلديات والولايات كذلك دور كبير، حيث لديها الصلاحيات في تنفيذ مخططات حماية وتثمين المواقع PPMVSA مثل ذلك الخاص بالقصبة (الجزائر العاصمة) الذي تم اعتماده سنة 2005.
كما قامت هيئة المهندسين المعماريين الجزائريين بعدة مبادرات هامة للمساهمة في حماية التراث المعماري الوطني، وأبرزها إطلاق عملية جرد الموروث المعماري الجزائري في ماي 2024، إذ نستنتج أن هناك نية موجودة على الورق ومبادرات رسمية ومجتمعية قائمة.




