سبعة أيام في قلب طهران: مدينة ترتدي السواد وتستعدُّ للانتقام

العائد من طهران: مراد أوعباس
طهران مدينة لا تهدأ، ففي أسواقها وميادينها تتواصل حركة الناس ليلًا ونهارًا، ومن يتجول في شوارعها قد لا يتصور أن آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية قد مرت من هنا، وارتبكت أفظع المجازر، وتسببت في الدمار الهائل، لولا صور الشهداء المعلقة في الساحات والطرقات، وفي مقدمتها صور المرشد الراحل علي الخامنئي، فضلًا عن آثار الدمار التي ما تزال بادية في بعض الأحياء والشوارع، شاهدة على المواجهة التي عاشتها المدينة.
من قلب طهران، ينقل مبعوث موقع 24 ساعة، تفاصيل سبعة أيام تجول خلالها بين شوارعها وأسواقها وميادينها تكشف عن مدينة تحمل آثار المواجهة، لكنها تواصل حياتها بكرامة وسط تحولات سياسية وشعبية عميقة، مدينة ترتدي السواد وتستعد للثأر لشهدائها وتترقب المستقبل بشغف.
حيثما تولِّ وجهك في العاصمة الإيرانية طهران هذه الأيام، تستوقفك صور شهداء الحرس الثوري المعلقة على أعمدة الإنارة وفي الشوارع والساحات، وقد قضوا جميعًا بنيران العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وعلى واجهات المباني والطرقات تتصدر صورة الإمام علي الخامنئي، الذي استشهد، في 28 فبراير الماضي خلال الضربة الأولى التي يصفها الإيرانيون بالغادرة، بينما كان الوفدان الأمريكي والإيراني يجلسان إلى طاولة المفاوضات.
ولا تزال تلك الصورة تختزل، في الوعي الإيراني، ما يعدّه كثيرون دليلاً على “غدر” الولايات المتحدة بالمسار الدبلوماسي، ويؤكد الإيرانيون أن السيناريو ذاته تكرر خلال حرب الاثني عشر يومًا، ثم خلال حرب الأربعين يومًا، الأمر الذي عمّق أزمة الثقة ورسّخ قناعة واسعة بأن العمل العسكري سبق المسار التفاوضي وأفرغه من مضمونه.
تزامنت زيارتنا إلى طهران مع مراسم التشييع الشعبي والرسمي للإمام علي الخامنئي وعدد من أفراد أسرته، حيث شارك ملايين الإيرانيين في جنازة مهيبة عكست حجم التأثر الشعبي بالحدث. وفي خضم هذه الأجواء، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي عبّر فيها عن استغرابه من مشاهد بكاء الإيرانيين على قائدهم، موجة واسعة من السخرية، لم تقتصر على الأوساط الإيرانية، بل امتدت إلى عدد من وسائل الإعلام الأمريكية.
وخلال تغطيتنا للمراسم، علّق أحد الزملاء الإيرانيين على عملية الاغتيال بقوله: “إنها فشل استخباراتي بامتياز، فأين الإنجاز الاستخباراتي عندما تستهدف صواريخ التوماهوك أو مقاتلات (F-15) منزل المرشد، وهي تعلم أنه موجود داخله مع أفراد عائلته، ولم يغادر إلى أي ملجأ؟” ويضيف أن ما أقدم عليه ترامب تحول، من حيث لا يريد، إلى هدية سياسية للنظام الإيراني، بعدما ارتفعت شعبيته إثر هذه العملية التي يصفها الإيرانيون بالجبانة، فألتف قطاع واسع من المجتمع حول قيادته، وتراجعت رهانات إسقاط النظام تحت شعارات “إنقاذ الإيرانيين” و”نشر الديمقراطية” و”تحرير الشعب من حكم الملالي”، ويرى أن هذه الشعارات فقدت كثيرًا من بريقها، حتى داخل بعض الأوساط المعارضة، لأن القيادة الإيرانية كانت، بحسب تعبيره، تعمل بصمت وفق حساباتها الخاصة، دون اكتراث بما كان يثار في وسائل الإعلام أو منصات التواصل.
ولم تعد مراسم التشييع مجرد مناسبة لتوديع قائد ارتقى شهيدا كما أراد، بل تحولت إلى مشهد سياسي وشعبي حمل رسائل متعددة، تمثلت في إعلان الوفاء للإمام الراحل، والتشبث بالوحدة الوطنية، وتجديد البيعة للمرشد الجديد، السيد مجتبى الخامنئي، وإظهار الالتفاف الشعبي حول القيادة الجديدة، مع إصرار واضح على الخروج من الحرب أكثر تماسكًا، بل وأكثر اقتناعًا بخيارات الدولة.
تشييع الإمام الشهيد علي الخامنئي… ومطالب بالانتقام

اليوم، يبدو أن المطلب الأكثر حضورًا في الشارع الإيراني يتمثل في الدعوة إلى الانتقام لدماء الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب، وفي مقدمتهم أطفال ميناب، الذين يقول الإيرانيون إن عددهم بلغ 168 طفلًا، إلى جانب مئات المدنيين الذين قضوا جراء استهداف المنشآت المدنية والعلمية والصناعية، وحتى الصحية.
ارتدت طهران السواد، وتحولت المدينة إلى لوحة جنائزية مفتوحة، ففي قلب العاصمة، وتحديدًا في شارع “ولي عصر”، أطول شوارع طهران الذي يمتد لنحو 37 كيلومترًا، ارتفعت راية حمراء ضخمة كُتبت عليها شعارات تدعو إلى “الانتقام”، في مشهد عكس حجم الغضب الشعبي، فيما تناقلت وسائل الإعلام الإيرانية صور الملايين الذين شاركوا في مراسم التشييع إلى مختلف أنحاء العالم.
ومنذ الأيام الأولى للمراسم، شرع الإيرانيون في الاستعداد لتوديع أكبر مرجع شيعي في العالم الإسلامي، وقائد للثورة الإسلامية بعد الإمام روح الله الخميني، الذي قاد ثورة عام 1979، وأنهى حقبة النفوذ الأمريكي، ووضع إيران على مسار سياسي مختلف، وإن كان، بحسب كثير من الإيرانيين، مسارًا دفعوا ثمنه باهظًا على امتداد عقود من الزمن، بسبب الحصار الأمريكي الجائر والعقوبات المفروضة.
ويؤكد كثير ممن تحدثنا إليهم أن أكثر ما يؤلمهم ليس فقط خسارة قائدهم، بل أيضًا ما يعتبرونه غيابًا لإدانة دولية واضحة لجريمة الاغتيال، إذ جاءت مواقف عدد من الدول، في نظرهم، خجولة أو شكلية، ولم ترق إلى حجم الحدث.
تحليل حول الحرب… وندوة “العالم ما بعد أمريكا”
“الحرب خيار صعب، لكنها في بعض الأحيان شر لا بد منه”… بهذه العبارة بدأ أحد الإيرانيين حديثه معنا عن حرب الأربعين يومًا، قبل أن يضيف : “لم نكن نتوقع هذا المستوى من الرد، ولم نكن نتصور أن النظام أعدّ كل هذه القدرات لمواجهة المشروع الإمبريالي الأمريكي وحليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.”
ويفسر محدثنا ذلك بأن شريحة واسعة من الإيرانيين لم تكن تدرك حجم التطور الذي بلغته القدرات العسكرية الإيرانية، إذ اعتقد كثيرون أن ما كان يُعلن عنه لا يتجاوز إطار الحرب النفسية الموجهة لردع الخصوم.
أما مرافقي الإيراني، الذي كان يتولى الترجمة، ففصل في الموضوع بقوله: “الصدمة كانت داخل إيران قبل أن تكون خارجها عند العدو. فقد فوجئ الإيرانيون بحجم القدرات العسكرية، وبقدرة الصواريخ على اختراق أجواء فلسطين المحتلة، وهو ما ولّد حالة من الفخر الشعبي بالقوات المسلحة الإيرانية، وأسهم في تراجع الخطاب المعارض الذي كان يراهن على إسقاط النظام أو إقناع الشارع بجدوى هذا الخيار.”
وفي موازاة التطورات الميدانية، سارعت النخب الإيرانية إلى قراءة مرحلة ما بعد الحرب، حتى قبل أن يجف حبر مذكرة التفاهم، في محاولة لاستشراف ملامح النظام الدولي المقبل. وفي هذا السياق، نظمت بلدية طهران ندوة علمية بعنوان “ميلاد العالم الجديد… حركة نحو عالم ما بعد أمريكا”، عرض المتدخلون الايرانيون رؤيتهم للتحولات الدولية، معتبرين أن العالم يتجه نحو نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية، كما أشار الى ذلك رئيس بلدية طهران في كلمته الافتتاحية: “نعمل من أجل عالم جديد، لا من أجل أمريكا ولا من أجل قانون الغاب، بل من أجل نظام إنساني يعيد للإنسان كرامته، ويحرره من أشكال الهيمنة والاستعباد.”
وشهدت الندوة كذلك مداخلة السيد ديميتري مواطن أمريكي من أصول يونانية، متزوج بجزائرية، وجّه خلالها انتقادات حادة للسياسات الأمريكية، معتبرًا أن ما سماه “الشيطان الأكبر” قام تاريخيًا على الهيمنة والسيطرة واستخدام القوة، كما رأى أن مشروع ترامب لإخضاع إيران انتهى إلى الفشل، وقال :”رغم أنني مواطن أمريكي، فإنني لن أتواطأ مع الغطرسة الأمريكية، وسأكون داعمًا لإيران، لأن ما حدث أثبت أن مشروع إخضاعها قد فشل فشلًا ذريعًا.”
المنشآت العملية… حين تصبح المعرفة هدفًا للحرب
ضمن البرنامج الذي أعده المنظمون للوفود الإعلامية والمؤثرين الذين توافدوا إلى طهران لتغطية مراسم التشييع المليونية، أتيحت لنا فرصة الوقوف ميدانيًا على حجم الدمار الذي طال عددًا من البنى التحتية والمراكز العلمية في العاصمة الإيرانية.
وكانت المحطة الأولى جامعة شريف للتكنولوجيا، إحدى أبرز الجامعات العلمية في إيران، حيث وقفنا على حجم الأضرار التي لحقت بمركز الذكاء الاصطناعي التابع لها، ويعود تأسيسه إلى سبعينيات القرن الماضي، إذ أنشئ عام 1970 لمعالجة البيانات وتطوير أنظمة الحوسبة والبحوث العلمية، ويُعد أول مركز للحوسبة الرقمية في إيران، كما شكل مرجعًا علميًا استفادت من خبراته جامعات ومراكز بحثية عديدة داخل البلاد، وخارجها، ويصنف أيضًا ضمن أوائل المؤسسات الإيرانية التي انخرطت في أبحاث الذكاء الاصطناعي.
غير أن ما رأيناه على أرض الواقع كان صادمًا؛ فقد تحول المركز إلى كومة من الركام بعدما تعرض لقصف مباشر بعدة صواريخ أمريكية، ولم يبق من منشآته سوى آثار الدمار.
ولم تكن هذه المحطة الوحيدة، فعلى مسافة غير بعيدة، زرنا معهد باستور الإيراني، يعود تاريخ انشائه الى سنة 1920، وتعرضت بعض أقسامه هي الأخرى للقصف، ومن بينها مركز إنتاج اللقاحات، الذي دُمّر بالكامل.
وأثناء جولتنا، حاولنا استفسار أحد الباحثين العاملين في المعهد عن مبررات استهداف الأمريكيين لهكذا مؤسسة علمية وصحية بهذا الحجم، لكنه اكتفى بالصمت للحظات، قبل أن يعترف بأنه لا يجد حتى الكلمات الكافية لوصف ما حدث. كان الانفعال واضحًا على وجهه، وهو يتحدث عن انتقال الحرب، خلال الأربعين يومًا، من استهداف المواقع العسكرية إلى استهداف المؤسسات العلمية والبنى التحتية المدنية، بما فيها المستشفيات، في وقت كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتوعد بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، وتدمير حضارة تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
أمريكا… وترامب أخطآ الحسابات
غيرت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية من نظرة الإيرانيين الى العالم والى الوضع الذي يعيشونه، واكتشفوا أن “العالم ضدهم”، ولا صديق لهم ينتصر لقضيتهم و”للمظلومية” التي باتوا يتعرضون لها يوميا، تحت عنوان القانون الدولي وغيرها من المواثيق الخداعة.
أولى الشخصيات التي التقيتها كانت شابة في العقد الثالث من عمرها، تقول إنها لا تتذكر الكثير عن الثورة الإسلامية أو عن الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، ولا ترى نفسها منجذبة إلى الشعارات السياسية بقدر اهتمامها بما يتحقق على أرض الواقع.
وتقول: “خرجت إلى الشارع خلال الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية، لأنني أؤمن بحق المواطن الإيراني في أن يعيش بكرامة، لم أكن أبحث عن الشعارات، بل عن تحسين ظروف الحياة وفقط.”
وترى أن شعارات الحرية والديمقراطية قادرة على التأثير في مشاعر الناس، لكنها وحدها لا تكفي لإقناعهم إذا لم تقترن بواقع يلمسونه في حياتهم اليومية، وتعتقد أن الديمقراطية لا تفرض بالعنف أو باستهداف المدنيين.
أما “حسن”، خريج معهد التجارة منذ أربع سنوات، وهو حاليا سائق سيارة أجرة، فقد حرص منذ بداية حديثه على رسم خط فاصل بين الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية، وقال: “نحن نفرق بين الشعب الأمريكي والرئيس ترامب، فالشعب الأمريكي، في تقديري، لا يريد الحرب، لأنه يدفع ثمنها من ضرائبه، ولا يرغب في رؤية مزيد من الضحايا المدنيين.”
اسعفتنا التكنولوجيا في محادثتنا هذه، حيث كنا نتبادل الرسائل مترجمة عبر هاتفه، يتوقف قليلًا ويضع أغنية للشاب خالدي ثم مامي عندما عرف انني صحفي من الجزائر، قبل أن يعرض علي مجموعة من مقاطع الفيديو لمواطنين أمريكيين أعربوا فيها عن تضامنهم مع ضحايا مدرسة ميناب، جراء صاروخ أمريكي، انطلق، بحسب ما أعلنته التحقيقات الإيرانية، من إحدى القواعد في دولة خليجية مجاورة.
ويواصل حديثه قائلًا إن الحرب التي شنت على إيران جاءت، في نظره، استجابة لإملاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يعتبره الإيرانيون صاحب مشروع دائم لمواجهة إيران وإضعاف نظامها.
وعن أوضاع الداخل الإيراني قبل اندلاع الحرب، يستشهد حسن بخطابات الإمام الراحل علي الخامنئي، التي أقر فيها، بحسب قوله، بشرعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، محملا المسؤولية الإدارة الامريكية التي فرضت ضغوطًا معيشية كبيرة على الإيرانيين، وأثرت في مستوى حياتهم.
ويضيف: “العقوبات الأمريكية وضعت المواطن الإيراني تحت ضغوط هائلة، وربما نجحت في تحقيق بعض أهدافها الاقتصادية، لكنها لم تحقق أهدافها السياسية.”
وتشير تقديرات متداولة داخل إيران إلى أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة أثناء الحرب، مع تسجيل معدلات تضخم مرتفعة، بينما تتراوح أجور غالبية الموظفين بين 200 و300 دولار شهريًا، في حين يقدر الحد الأدنى للأجور بنحو 140 دولارًا، أو أقل.
سألت محدثي بصراحة إن كان قد صدّق يومًا وعود ترامب بشأن الديمقراطية والعدالة، فأجاب بعد تردد: “نعم… كنت أعتقد أن تحقيق الديمقراطية قد يكون ممكنًا، لكن بالوسائل السلمية. أما بعد هذه الحرب، فقد أدركت أن الديمقراطية لا تُفرض بالقوة، ولا بالدبابات، ولا بصواريخ التوماهوك، ولا بقصف المدنيين والبنى التحتية.”
ويبدو أن أبرز النتائج السياسية التي أفرزتها الحرب، بحسب كثير ممن التقيتهم، تمثلت في تراجع رهان المعارضة الخارجية، بمختلف أطيافها وألوانها، وفي مقدمتها التيار الملكي، الذي يرفع شعار العودة إلى النظام الملكي، مع ابن الشاه رضا بهلوي.
وأستعيد هنا حوارًا دار بيني وبين أحد المعارضين الإيرانيين الذي كنت قد التقيته في زيارة سابقة، كان يؤكد حينها، بلغة عربية مكسرة، أن النظام الإيراني سيسقط مع أول اختبار حقيقي، وأن الشارع سيكون كفيلًا بإسقاطه، غير أني كنت أرى عكس ذلك، وأن التغيير من الخارج قد يكون مكلفا، وعندما التقيته مجددًا حاولت معرفة ان كان قد غير رأيه، بادرني بالسؤال، عبر مترجم هذه المرة: “ما هي مصادرك؟” كان يظن أنني أستند إلى معلومات صادرة عن الحكومة أو عن مؤسسات الدولة.
أجبته بأن مصدر معلوماتي هو الشارع الإيراني نفسه؛ فبوصفي صحفيًا، أحرص في كل زيارة على الالتقاء بمختلف التيارات السياسية والفكرية، وأستقل المترو وسيارات الأجرة، وأتردد على الأسواق والأحياء الشعبية والمطاعم، وأتحدث مع الناس بعيدًا عن البرامج الرسمية.
مأزق الدولار الأمريكي
في مؤشر يراه عدد من الخبراء ذا دلالة اقتصادية، لاحظت خلال الأسبوع الذي قضيته في طهران تراجعًا واضحًا في تداول الدولار الأمريكي، في ظل أجواء المواجهة المفتوحة التي تعيشها البلاد. وكان مرافقي الإيراني يؤكد لي أن العملة الأمريكية فقدت كثيرًا من حضورها في الأسواق، لكنني لم أقتنع بذلك في البداية، واعتبرته نوعًا من المبالغة، أو “من باب الدعاية”.
غير أن تجربة بسيطة بددت شكوكي، فقد توجهنا إلى أحد المحال لشراء كمية من الزعفران الإيراني، الذي أحرص في كل زيارة على اقتناء القليل منه استجابة لطلبات الأصدقاء. وعندما هممت بالدفع بالدولار، فوجئت بصاحبة المحل، وهي سيدة في العقد الرابع من عمرها، تعتذر بأدب قائلة: “الدولار لم يعد له مكان عندي، ولا أتعامل به، يمكنني قبول أي عملة أخرى، أما الدولار فلا.”
كانت تتحدث العربية بلكنة بسيطة، لكنها عبّرت بوضوح عن مشاعرها، وقالت إن الاعتداءات الأمريكية الأخيرة غيّرت نظرة كثير من الإيرانيين إلى الولايات المتحدة، وأضافت: “لدينا طموحات كبيرة، لكن ما حدث زاد من تمسكنا بمواقفنا الوطنية ومصالح شعبنا”، وترى أن العقوبات، رغم ما خلفته من أعباء اقتصادية، لم تنجح في إسقاط الدولة أو تغيير النظام، أو حتى تاليب الموطن ضد دولته، وتضيف: “إذا كان هناك خلاف بين الحكومة الإيرانية والولايات المتحدة، فهذا شأن الحكومتين، أما عندما قُتل المدنيون ودُمّرت المدن وسقط الأبرياء، فقد أصبح الحساب بين الشعب والرئيس ترامب، فعليه أن يستعد لانتقام الإيرانيين”.
ومن خلال الأحاديث التي أجريتها في طهران، بدا أن الدعوة إلى الرد والانتقام حضرت بقوة في الخطاب الشعبي، وأصبحت تتردد على ألسنة كثير ممن التقيتهم.
المرأة… المعادلة الأكثر تعقيدًا
ظل ملف المرأة الإيرانية، على امتداد السنوات الماضية، أحد أكثر الملفات حضورًا في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، حيث جرى تقديمه باعتباره المدخل الأبرز لإحداث تغيير سياسي داخل إيران، تحت شعارات “حرية المرأة” و”حقوق الإنسان” و”حرية المعتقد واللباس” وغير ذلك من الشعارات.
غير أن فاطمة، وهي إحدى السيدات اللواتي التقيتهن خلال الزيارة، قدمت قراءة مختلفة للمشهد، فقالت: “إن أكبر هدية قدمها ترامب وحليفه نتنياهو للنظام الإيراني كانت شن هذه الحرب وجريمة اغتيال المرشد”، وتوضح أن هذه العملية، بدل أن تؤدي إلى إضعاف النظام، دفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين، بل ومن أنصاره في الخارج أيضًا، إلى الالتفاف حوله، والعودة الى حضن الوطن، مما ساهم حسبها في تعزيز وحدة الجبهة الداخلية، وتجديد الالتفاف حول القيادة الجديدة، الى درجة عودة بعض المعارضين في الخارج الى الوطن وإعلان ولائهم للنظام الحالي.
وتؤكد فاطمة أن المجتمع الإيراني يعيش اليوم حركية سياسية وفكرية متواصلة، وأن فئة الشباب تمتلك طاقات كبيرة وروحًا ابتكارية، وتسعى إلى أن تكون شريكًا حقيقيًا في إدارة الشأن العام وصنع القرار.
وتضيف: “إيران بعد الحرب ليست كما كانت قبلها”، وعندما سألتها عن أسباب هذا التغيير، ومظاهره أجابت بأن الحرب قلبت كثيرًا من الموازين، إذ أسقطت، في نظرها، الرهان على إسقاط النظام من الخارج أو على وصول المعارضة إلى السلطة على ظهر الدبابة الأمريكية، كما حدث في تجارب إقليمية أخرى مثل أفغانستان والعراق، وحتى سوريا.
وترى أن الإيرانيين باتوا أكثر اقتناعًا بأن أي إصلاح أو تغيير ينبغي أن ينبع من الداخل، عبر حوار مسؤول بين مختلف النخب والتيارات السياسية، وتحت سقف الدولة الواحدة، مع توسيع قاعدة الحكم والتوزيع العادل للثورة، والمشاركة السياسية وإفساح المجال أمام كفاءات وأجيال جديدة للإسهام في صناعة القرار.




