العالم

زيورخ بين تثبيت موازين القوة وتكريس التفاهمات: ماذا ربحت إيران من الجولة الأولى؟

طهران: علي الموسوي

لم تكن جولة زيورخ الأخيرة من المفاوضات الإيرانية – الأمريكية مجرد لقاء تقني يهدف إلى إدارة الأزمة بين الطرفين، بل بدت أقرب إلى محاولة لترجمة التفاهمات التي سبقتها إلى وقائع سياسية وأمنية واقتصادية على الأرض. ومن خلال القراءة المتأنية لمخرجات اللقاء، يظهر أن طهران تتعامل مع هذه الجولة باعتبارها مرحلة أولى في مسار أطول، هدفه تثبيت المكاسب التي تحققت بعد الحرب الأخيرة، ومنع واشنطن وحلفائها من العودة إلى سياسة الضغوط القصوى.

وفق تقارير إعلامية تابعت الحدث، يبرز تأكيد أساسي مفاده أن الوفد الإيراني لم يذهب إلى زيورخ لتقديم تنازلات، بل لمتابعة تنفيذ الالتزامات التي سبق تدوينها في التفاهمات المبرمة، خصوصاً تلك المنبثقة عن ما يعرف بـ«تفاهم إسلام آباد». ولهذا السبب يكرر المسؤولون والمحللون المقربون من دوائر القرار أن إيران ما زالت تحتفظ بجميع أوراقها الاستراتيجية، سواء ما يتعلق بإمكانية التصعيد العسكري أو إغلاق مضيق هرمز أو العودة إلى النشاط النووي المتقدم، أو حتى الامتناع عن الانتقال إلى المرحلة التالية من التفاوض إذا لم تتحقق الشروط الموضوعة بالكامل.

لبنان: البوابة الحقيقية إلى زيورخ

إذا كان الملف النووي يشكل العنوان التقليدي لأي حوار أمريكي – إيراني، فإن المستجد في جولة زيورخ، هو أن الملف اللبناني تحول إلى المحرك الأساسي للمفاوضات، مع بقية الجبهات.

وفق القراءة الإيرانية، فإن القلق من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وما يمكن أن تفضي إليه من استنزاف طويل لحزب الله دفع طهران إلى اختبار إمكانية استخدام القناة التفاوضية مع واشنطن لفرض ترتيبات جديدة على الجبهة اللبنانية.

ومن هنا جاء الإصرار الإيراني على ربط أي تقدم في المحادثات بوقف العمليات العسكرية في لبنان. وتعتبر طهران أن الإنجاز الأبرز للجولة تمثل في قبول الولايات المتحدة بلعب دور الضامن لوقف التصعيد، وهو ما يضع واشنطن عملياً في موقع المسؤول عن إلزام إسرائيل بالاتفاقات التي تم التوصل إليها.

وتزداد أهمية هذا التطور مع الحديث عن إنشاء «خلية خفض التصعيد» بمشاركة إيران والولايات المتحدة ولبنان، وهو تطور يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الأمني، لأنه يمنح طهران للمرة الأولى دوراً مباشراً في آلية متابعة الوضع اللبناني ضمن إطار تفاهمي مع واشنطن.

ومن منظور استراتيجي، فإن إيران تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن أي ترتيبات تخص لبنان لا يمكن أن تتم بمعزل عنها أو عن حزب الله، وأن الاستقرار على الجبهة الشمالية لإسرائيل أصبح جزءاً من التفاهمات الإقليمية الأوسع.

الأموال المجمدة: من ملف العقوبات إلى ملف السيولة

اقتصادياً، تبدو قضية الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لطهران.

فبعد سنوات من العقوبات والعزلة المالية، تمثل إمكانية الإفراج عن جزء من هذه الأموال مكسباً مهماً للاقتصاد الإيراني، الذي يسعى إلى تعزيز احتياطاته النقدية وتمويل مشروعاته التنموية والاجتماعية في آن واحد.

وتؤكد المصادر الإيرانية أن الاتفاق لا يتضمن قيوداً على أوجه إنفاق هذه الأموال، خلافاً لما روجت له بعض التصريحات الأمريكية بشأن حصر استخدامها في شراء المواد الغذائية أو المواد الطبية من أمريكا.

وإذا نجحت طهران بالفعل في استعادة نحو 12 مليار دولار ووضعها تحت تصرف البنك المركزي الإيراني، فإن ذلك سيمنح الحكومة الإيرانية هامشاً مالياً مهماً في مواجهة الضغوط الاقتصادية الداخلية والخارجية.

النفط: تعليق عملي لسياسة الضغوط القصوى

الجانب الأكثر أهمية في الحسابات الإيرانية ربما يتمثل في ملف النفط.

فخلال السنوات الماضية، كان تصدير النفط الإيراني الهدف الرئيسي للعقوبات الأمريكية. أما اليوم، فإن الحديث عن تعليق العقوبات النفطية والبتروكيماوية لمدة ستين يوماً أو أكثر يعني عملياً منح إيران نافذة اقتصادية تسمح لها بزيادة صادراتها واستعادة جزء من حصتها في الأسواق العالمية.

وتدرك طهران أن هذه المهلة قد تكون مؤقتة، لكنها تراهن على تحويلها إلى واقع اقتصادي يصعب التراجع عنه لاحقاً، خاصة إذا نجحت في توقيع عقود جديدة وتعزيز ارتباط زبائنها الآسيويين والخليجيين بالنفط الإيراني.

وفي هذا السياق، يمكن فهم إصرار إيران على اعتبار هذا الملف معياراً أساسياً لجدية الولايات المتحدة في تنفيذ تعهداتها.

كسر الحصار البحري

من بين الملفات الأقل تداولاً إعلامياً والأكثر أهمية استراتيجياً قضية الحصار البحري.

فالقيادة الإيرانية تنظر إلى حرية الملاحة من وإلى موانئها باعتبارها اختباراً مباشراً لمدى التزام الأطراف الأخرى بالتفاهمات الجديدة.

وتعتبر طهران أن نجاحها في فرض رفع الحصار بصورة فورية، بدلاً من الانتظار ثلاثين يوماً كما كان مقترحاً في البداية، يشكل دليلاً على قدرتها على استخدام أوراق القوة العسكرية والسياسية للحصول على تنازلات عملية.

لكن اللافت أن الخطاب الإيراني لا يتعامل مع هذا الإنجاز بوصفه نهائياً، بل باعتباره فرصة مؤقتة ينبغي استثمارها لتطوير ترتيبات دفاعية وبحرية تجعل إعادة فرض الحصار أكثر صعوبة في المستقبل.

مضيق هرمز: من ورقة تهديد إلى مصدر دخل

ربما يكون التطور الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يتعلق بمضيق هرمز، فطوال العقود الماضية استخدمت إيران المضيق باعتباره ورقة ردع استراتيجية تهدد بإغلاقه كلما تصاعدت الضغوط عليها. أما اليوم، فتبدو طهران وكأنها تسعى إلى تحويل هذه الورقة من أداة تهديد إلى مصدر نفوذ اقتصادي دائم.

فالتفاهمات الجديدة، وفق الرواية الإيرانية، لا تقتصر على ضمان حرية الملاحة خلال المرحلة الحالية، بل تمتد إلى إنشاء نظام لتقديم خدمات أمنية وملاحية وبيئية بالشراكة مع سلطنة عمان.

وإذا جرى تنفيذ هذا المشروع، فإن إيران لن تحصل فقط على إيرادات مالية إضافية، بل ستكرس أيضاً اعترافاً عملياً بدورها كفاعل رئيسي في أمن الممر البحري الأهم لتجارة الطاقة العالمية.

هل نحن أمام اتفاق أم هدنة طويلة؟

رغم الأجواء الإيجابية التي انتهت اليها الجولة الأولى، فإن قراءة متأنية للمشهد تكشف أن ما تحقق حتى الآن لا يزال أقرب إلى هدنة سياسية وأمنية منه إلى اتفاق شامل ونهائي.

فالملفات الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل العقوبات الأمريكية والعلاقة بين إيران وحلفائها الإقليميين، لم تُحسم بعد. كما أن نجاح المرحلة المقبلة سيظل مرهوناً بمدى التزام واشنطن وإسرائيل بما تم التفاهم عليه، وبقدرة إيران على تحويل المكاسب المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.

ومع ذلك، فإن الرسالة الأساسية التي تحاول طهران إيصالها بعد زيورخ واضحة: المفاوضات لم تكن ساحة لتقديم التنازلات، بل أداة لتثبيت نتائج القوة التي فرضتها التطورات الميدانية خلال الأشهر الماضية، واستثمار لها، ومن هذا المنطلق، تنظر القيادة الإيرانية إلى الجولة الأولى باعتبارها بداية مسار تفاوضي جديد تُقاس نجاحاته بمدى قدرة إيران على الحفاظ على أوراق ضغطها، وفي الوقت نفسه جني مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة من دون التخلي عن عناصر قوتها الاستراتيجية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى