صوت وصورة

زينب غسان خضور لـ “24 ساعة”: أميلُ إلى الكُتّاب الذين يجعلون من النصّ مساحة للتأمُّل

اختارت الروائية السّورية، زينب غسان خضور، أن تنشر أعمالها في الجزائر لأسباب متعدّدة، ترى أنّ أحدها تحقيق الانتشار خارج بلدها سوريا، ولحدّ اليوم صدر لهذه الروائيّة السُّوريّة، التي تحمل شهادة عليا في الهندسة المدنيّة، “مرآةٌ تفيض بالأرواح” (نصوص/ دار ومضة للنشر/ الجزائر/ 2024)، و”الخطيئة التي تُغتفر” (رواية/ دار ومضة للنشر/ الجزائر/2025).

في هذا الحوار، الذي خصّت به “24 ساعة”، تقول الروائيّة “أنا سورية، واختياري للنشر خارج سوريا، وتحديداً في الجزائر، لم يكن بدافع الابتعاد، بل بدافع الوصول. شعرتُ أنّ دار النشر “دار ومضة”، فهمتْ روح النص، وتعاملت معه كعمل أدبي يتجاوز الحدود، لا كمنتَج محلي. النشر خارج سوريا أتاح لي أفقاً أوسع للتوزيع والتفاعل مع قرّاء من ثقافات مختلفة، وهو ما أؤمن أنّه يثري النصّ ويمنحه حياة أكبر من الإطار الجغرافي الضيّق”.

وبشأن تكوينها العلمي في مجال الهندسة المدنية وعلاقته بالأدب، تؤكّد زينب غسان خضور، بالقول “تكويني العلمي في الهندسة لا يتعارضُ مع ميولي الأدبيّة، بل على العكس، منحني وعياً مختلفاً بالبنية والتفاصيل. أمّا الرواية، فلم تكن قراراً بقدر ما كانت استجابة لحاجة داخليّة عميقة. منذ سنواتي الأولى، وجدتُ في الكتابة مساحة لفهم الذات والعالم، والرواية كانت الشّكل الأصدق لهذا التعبير. لم أتّجه نحوها بحثاً عن هوية بديلة، بل لأنّها الهوية التي وجدتني قبل أن أختارها”.

لكن ماذا عن قراءاتها في مجال الرواية؟، هنا تجيبُ خضور بالقول “أميل في قراءاتي إلى الكتّاب الذين لا يقتصرون على السّرد فقط، بل يجعلون من النصّ مساحة للتأمُّل وتفكيك المشاعر. عربيًّا، أقرأ أعمال هدى بركات، وإبراهيم نصر الله، وإلياس خوري، لما فيها من تقاطع بين الأدب والفلسفة، وتمازج التجربة الشخصية مع الأسئلة الكبرى التي تطرحها الحياة. هؤلاء الكُتّاب يخلقون عوالم تنبض بأسئلة عن الهوية والمصير والوجود، ويمنحون القارئ فرصة التأمل في عمق التجربة الإنسانية. عالميًّا، أقترب كثيراً من أعمال فرناندو بيسوا في “كتاب اللاطمأنينة”، الذي يفتح أفقاً واسعاً في فهم النفس البشرية، وما يعتريها من شكوك وقلق وجودي. كما أنّني أُعجب بكتابات دوستويفسكي، الذي يمنح الإنسان صوتاً حقيقياً في مواجهة أزماته الداخلية، ويغوص في أعماق الأسئلة الوجودية. وكذلك ألبير كامو، الذي يُعتبر من الكُتّاب القلائل الذين يستطيعون معالجة التيه الإنساني بعمق وهدوء، ممّا يجعلني أبحث في كلّ مرّة عن المعنى الخفيّ وراء سطور رواياته. بشكل عام، قراءتي تنجذب إلى النصوص التي لا تُغلق الأسئلة، بل تفتحها. النصوص التي تحمل في طياتها لغة شعرية تتناغم مع الصّدق الإنساني، وتحثُّ القارئ على التفكير العميق والتأمل في الوجود والعالم من حوله”.

وترى صاحبة “مرآة تفيض بالأرواح”، أنّ الرواية العربيّة اليوم “تشهد حراكاً لافتاً، حيث تعدّدت الأصوات وتنوّعت التجارب، وبات واضحاً أنَّ الرواية أصبحت وسيلة مفضّلة للتعبير لدى جيل جديد من الكتّاب. لعلّ السبب في هذا التوجّه يعود إلى ما تمنحه الرواية من فسحة سردية واسعة، تُمكّن الكاتب من استعراض أفكاره وتجاربه بلغة مرنة وشكل قابل للتجريب. أمّا انصراف الشباب عن الشعر أو الفنون التقليدية الأخرى، فقد يكون ناتجاً عن تحوّل الذائقة، وعن حاجة الجيل الحالي إلى أدوات تعبير تُحاكي واقعاً متداخلاً ومعقّداً، وهو ما توفّره الرواية بأشكالها الحديثة، دون أن تكون مقيّدة بإيقاع أو شكل محدّد. الرواية اليوم ليست مجرد حكاية، بل مساحة للقول والتساؤل وإعادة صياغة ما نعيشه بطريقة أكثر حرية وانفتاحاً”.

ومع أنّ الرواية العربيّة أصبحت وسيلة مفضّلة للتعبير، بحسب ما تهذبُ إلى ذلك زينب خضور، إلا أنّ تحويل الأعمال الروائيّة إلى أعمال سينمائيّة عربيّة يبقى محتشما، وهو الأمر الذي تُعلّق عليه الروائيّة بالقول “أعتقد أنّ غياب تحويل الرواية العربيّة إلى أعمال مسرحيّة أو سينمائيّة يعود لأسباب متشابكة، أوّلها أنّ العلاقة بين الأدب والسينما في عالمنا العربي ما تزال ضعيفة وغير مؤسّسة على تعاون حقيقي بين الطرفين. كما أنّ كثيراً من الروايات العربية تنشغل بالبعد الداخلي للشخصيات، وتركّز على اللُّغة والتأمُّلات أكثر من الحدث، ما يجعل تحويلها إلى صورة بصرية أمراً يحتاج إلى جهد تأويلي كبير من المخرج. في المقابل، ما زال الإنتاج الدرامي، في كثير من البلدان العربيّة، يفضّل النصوص الجاهزة والسّرد التقليدي الذي يناسب الجمهور العام، دون المخاطرة بتجارب روائيّة تتطلب عمقاً فنياً وبصرياً مختلفاً. وفي النهاية، أرى أنَّنا نحتاج إلى جسور حقيقيّة بين الروائيّين وصنّاع السّينما، وإلى وعي بأهميّة الرواية كمصدر خصب، لا مجرّد حكاية قابلة للاقتباس”.

وتُنهي، زينب غسان خضور، حديثها بالقول “في الختام، أودّ أن أوجّه شكري الخالص إلى دار ومضة، التي آمنت بتجربتي مرّة أخرى ومنحت روايتي “الخطيئة التي تُغتفر” فرصة للعبور إلى القارئ، كما فعلت مع “مرآة تفيض بالأرواح”. ذلك الإيمان لا يُقاس بعدد النسخ، بل بثقة تُرمّم في الكاتب شيئاً من الداخل. أمّا د. سميرة قنون، فلم تكن مجرّد قارئة أو محرّرة، بل كانت إصغاءً نادراً، واحتواءً صامتاً يعرف كيف يرى ما خلف السُّطور. قرأتني كما يُقرأ الرجاء في عينٍ متعبة، وكما يُمسك أحدهم بيدك ليقول دون صوت: “أنا هنا، أراك، وأؤمن بك”. إليها أهدي الامتنان كله، وإلى كل من كان يوماً ضوءاً صغيراً في عتمة كاتبٍ يشقّ طريقه بالكلمات”.   

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى