العالم
زهران ممداني… المسلم الاشتراكي الذي أدهش نيويورك وأربك أباطرة المال والصهيونية

المستشار د. أحمد يوسف
في مدينةٍ تضجّ بالأضواء والمال والمصالح، وتختلط فيها رائحة السلطة بأنفاس الجياع، بزغ نجم سياسيٍّ جديدٍ من قلب نيويورك، يحمل ملامح المهاجرين ولهجة المهمّشين، هو زهران ممداني؛ الشاب المسلم الاشتراكي الذي قلب قواعد اللعبة الانتخابية وأدهش الجميع بفوزه الساحق.
زهران، ابنُ أبٍ أوغندي وأمٍ هندية، نشأ في بيئةٍ تعرف معنى الظلم والاغتراب، فحمل قضايا الطبقة الدنيا والمهاجرين على كتفيه، ودخل المعترك السياسي بجرأة نادرة. لم يقدّم نفسه بوصفه مسلماً فقط، ولا اشتراكياً بالمعنى الأيديولوجي الصارم، بل إنساناً يؤمن بالعدالة والمساواة وكرامة البشر. في حملته الانتخابية، تحدّث إلى اليهود والمسيحيين والمسلمين، إلى الملوّنين والبيض والفقراء على السواء، بلغةٍ صادقةٍ وعميقةٍ تحتضن الجميع. كانت صراحته أقوى من المعتاد. فبينما يتجنب السياسيون الأمريكيون الخوض في “المحرّمات” التي تزعج اللوبيات المتنفّذة،
اختار زهران أن يواجه الحقيقة بلا مواربة. انتقد حرب الإبادة في غزة، واعتبرها عاراً أخلاقياً على جبين الإنسانية، ثم ذهب أبعد من ذلك حين قال بصوتٍ واضح: “لو دخل نتنياهو نيويورك فسأدعو لاعتقاله كمجرم حرب.” بهذا الموقف، تجاوز حدود الجرأة إلى منطقة الأخلاق الخالصة، في مشهدٍ سياسيٍّ تُدار فيه المواقف عادةً بلغة المصالح لا المبادئ. لقد هزم زهران أباطرة المال وتحالفاتهم مع الصهيونية العالمية، وانتصر بلغة الصدق والناس. لم يستند إلى خزائن الشركات الكبرى، بل إلى قلوب البسطاء والمهاجرين الذين وجدوا فيه صوتهم الحقيقي. وعندما أعلن فوزه، قال متواضعاً: “هذا الانتصار ليس لي، بل لكل من كُتب اسمه خطأ، لكل من تجاهلوه، ولكل من ظن أن السياسة لا تتحدث بلغته.”
دلالات هذا الفوز
1. لمسلمي أمريكا
فوز زهران ممداني يمثل نقطة تحوّل في الوعي السياسي لمسلمي أمريكا. فهو أول من جمع بين هويته الإسلامية وخطابه الاشتراكي التقدمي بشجاعة ووضوح، دون أن يتنازل عن قيمه أو يخشى الاتهام. لقد أخرج المسلم الأمريكي من دائرة الصمت والدفاع إلى فضاء المشاركة والمبادرة، وأثبت أن الاندماج لا يعني الذوبان، وأن الإسلام يمكن أن يكون مصدر إلهامٍ في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والمساواة.
2. للّوبيات الصهيونية واليهودية المتنفذة
كان هذا الفوز زلزالاً سياسياً وأخلاقياً داخل المنظومة التي طالما احتكرت القرار والرواية في أمريكا. فقد كشف أن المال والإعلام، رغم سطوتهما، لا يستطيعان حجب الحقيقة إلى الأبد. نجح زهران في تفكيك المعادلة التي ربطت بين “الولاء لإسرائيل” و”النجاح السياسي”، وأثبت أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لم يعد انتحاراً انتخابياً كما كان في السابق. لقد اهتزّت أسطورة اللوبي الصهيوني أمام شجاعة شابٍّ مسلمٍ يقول ما يفكر به الملايين من الأمريكيين الشباب الذين باتوا يرون إسرائيل دولة فصلٍ عنصريٍّ لا ديمقراطية مزعومة.
3. للسياسة الأمريكية والمجتمع العام
زهران ممداني ليس مجرد نائب محلّي في نيويورك؛ إنه إشارة على تحوّل ثقافي عميق داخل المجتمع الأمريكي. فصوته يعبر عن جيلٍ جديدٍ من الأمريكيين الذين يرفضون الخضوع لخطاب الهيمنة والمصالح، ويطالبون بسياسةٍ أكثر عدلاً وإنسانية. وجوده في المشهد السياسي يعني أن الرواية الفلسطينية بدأت تجد طريقها إلى قاعات الكونغرس ووسائل الإعلام، وأن زمن احتكار الصوت الواحد قد ولّى. إنه جسرٌ بين أمريكا الجديدة — المتعددة والمتنوعة — وبين ضميرٍ إنسانيٍّ ما زال يؤمن بالحق في وجه القوة.
4. للفلسطينيين ونازحي غزة
حين تحدّث زهران عن غزة، لم يتحدث بلغة المساعدات ولا الإغاثة، بل بلغة العدالة والكرامة. قال ما لم يجرؤ على قوله كثير من السياسيين العرب أنفسهم: أن ما يجري في غزة إبادة ممنهجة، وأن الصمت خيانة للإنسانية. لقد شكّل صوته بارقة أملٍ للفلسطينيين في الخيام وتحت الأنقاض، بأن العالم لا يزال فيه من يراهم ويؤمن بعدالة قضيتهم. إن فوزه يحمل رمزية عميقة لكل مظلومٍ يبحث عن منبرٍ يسمع صوته — من أحياء نيويورك الفقيرة إلى أزقة غزة المحاصرة.
خاتمة
في زمنٍ تتغوّل فيه المصالح وتختنق الحقيقة تحت ثقل اللوبيات، يبرز زهران ممداني كظاهرةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ فريدة، جمعت بين الإيمان والشجاعة والصدق. لقد قدّم درساً في أن السياسة يمكن أن تكون إنسانية، وأن النضال من أجل العدالة لا يعرف حدود الدين أو العرق أو اللون. من نيويورك، رفع زهران صوته ليقول للعالم: “إن الحرية لا تتجزأ، وإن كرامة الإنسان لا وطن لها.” فهل يكون هذا الشاب المسلم بدايةً لموجةٍ جديدة تغيّر وجه السياسة الأمريكية إلى الأبد؟




