سياسة

دونالد ترامب وفخ منطقة جونسون

البروفيسور/ محمد خوجة
يطلق مفهوم «منطقة ليندون جونسون» لتوصيف حالة رئيسٍ يواصل التصعيد في حربٍ خاسرة سياسيًا، رغم إدراكه تآكل فرص النصر، خوفًا من ثمن التراجع على صورته وسمعة بلاده، كما حدث مع ليندون جونسون في فيتنام. هذا المنطق قاده إلى مأزقٍ استراتيجي انتهى بانهيار شعبيته وعجزه عن خوض الانتخابات مرة أخرى عام 1968.
-الخلفية: رئيس بين «المجتمع العظيم» والحرب
جاء جونسون إلى الرئاسة بعد اغتيال كينيدي، حاملاً مشروع «المجتمع العظيم» لمحاربة الفقر وترسيخ الحقوق المدنية، وكان يمكن أن يُذكر كأحد أكثر الرؤساء إصلاحًا في التاريخ الأمريكي. لكن التزامه بمنطق الحرب الباردة واحتواء الشيوعية في جنوب شرق آسيا، جعله يرى في فيتنام اختبارًا لمصداقية الولايات المتحدة أمام الحلفاء والخصوم. لذلك، ومع أنه وعد بعدم توسيع الحرب، بدأ تدريجيًا في تحويل الصراع من دعم محدود لفيتنام، الجنوبية إلى «أمركة» واسعة للحرب.
من حادثة خليج تونكين إلى التصعيد الشامل
استغل جونسون قرار «خليج تونكين» عام 1964، الذي منحه الكونغرس بموجبه تفويضًا واسعًا، لاستعمال «كل الوسائل الضرورية» ضد العدوان في فيتنام، ليُصعّد التدخل دون العودة المتكررة إلى الكونغرس أو الرأي العام. في 1965 أطلق حملة القصف المتدرج رولينغ ثاندر Rolling Thunder ضد فيتنام الشمالية، وأرسل أول وحدات مقاتلة من المارينز إلى دا نانغ، ثم ارتفع العدد إلى مئات الآلاف من الجنود بحلول 1968.
تم هذا التصعيد في كثير من مراحله بهدوء، وبقدر من السرية المالية والسياسية، إذ موِّلت الحرب عبر الاقتراض لا عبر زيادة الضرائب، لتجنّب إثارة معارضة داخلية مبكرة.
منطق «منطقة ليندون جونسون»: لماذا واصل التصعيد؟
يمكن تلخيص منطق جونسون في عدة عناصر مترابطة:
-هاجس المصداقية: كان مقتنعًا بأن الانسحاب سيُفهم كإهانة لهيبة الولايات المتحدة، وتشجيعٍ للسوفييت والصينيين على مزيد من المغامرات، بل وكخيانة لحلفاء واشنطن عبر العالم.
-استمرارية السياسة: قدّم نفسه كمنفذ لخط متصل بدأ مع آيزنهاور وكينيدي، لا كصاحب مغامرة جديدة، ما جعله أسير تصورات سابقة عن ضرورة المنع الكامل لتمدّد الشيوعية.
-ضغوط «فريق الحرب»: وزير الدفاع ماكنمارا، ومستشار الأمن القومي بَندي، ووزير الخارجية رسك، والجنرال ويستمورلاند في الميدان، كانوا جميعًا يلحّون على زيادة القوات والقصف لإجبار هانوي على التراجع.
-الحسابات الداخلية: خشي جونسون أن يتهمه الجمهوريون ومعسكر الصقور، بالضعف والخيانة إذا قلّص الحرب، ما يهدد ليس فقط مستقبله الشخصي، بل أيضًا برنامج «المجتمع العظيم» في الداخل.
هكذا تشكّلت «منطقة ليندون جونسون»، بوصفها حالة عقلية ـ سياسية، يجد فيها القائد أن كلفة التراجع تبدو، في مخيلته، أكبر من كلفة الاستمرار، فيواصل التصعيد رغم أن كل المؤشرات الميدانية والسياسية تقول إن النصر بعيد أو مستحيل.
حرب بعيدة عن النصر: الفجوة بين الميدان والرأي العام
على الأرض، لم تستطع الولايات المتحدة حسم الحرب، رغم التفوق الساحق في القوة الجوية والتكنولوجية، فالحرب كانت حرب استنزاف وتمرد مسلح أكثر منها مواجهة تقليدية. كل زيادة في عدد الجنود والقصف، كانت تُترجم إلى مزيد من الخسائر البشرية والمالية، دون تحقيق نصر سياسي حقيقي في جنوب فيتنام، حيث بقي النظام هشًا وفاسدًا وضعيف الشرعية.
في الداخل الأمريكي، بدأت صور الجنود القتلى ومشاهد الحرب اليومية على شاشات التلفزيون ،تسرع تآكل ثقة الجمهور في خطاب الإدارة عن «النصر القريب .
شكّل هجوم «تيت» Tet Offensiveعام 1968 نقطة الانفجار: عسكريًا فشل الفيتناميون الشماليون والفيتكونغ في تحقيق أهدافهم، لكنهم نجحوا سياسيًا في تحطيم صورة التقدم الأمريكي ،وإقناع الرأي العام بأن الحرب بلا أفق. بعد هجوم تيت، هبطت نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن الحرب تسير في الاتجاه الصحيح، وإرتفعت نسبة من يرون أن التدخل كان خطأ من البداية.
-من الهزيمة السياسية إلى الانسحاب من السباق الانتخابي
هذا الانهيار في الثقة إنعكس مباشرة على وضع جونسون السياسي داخل الحزب الديمقراطي نفسه. دخول السيناتور يوجين مكارثي الانتخابات التمهيدية ضد الرئيس من داخل الحزب، ثم ترشّح روبرت كينيدي، كشف حجم الغضب داخل القاعدة الديمقراطية من حرب فيتنام.
أصبح جونسون رئيسًا محاصرًا: لا يملك إستراتيجية خروج واضحة من الحرب، ولا يستطيع تبرير التضحيات للرأي العام، ولا يضمن إعادة ترشيحه دون انقسام داخلي حاد.
في 31 مارس 1968، أعلن في خطاب متلفز قرارين متلازمين: وقفًا جزئيًا للقصف على فيتنام الشمالية والدعوة لمفاوضات سلام، ثم المفاجأة الكبرى، بإعلانه أنه لن يترشح لولاية ثانية. لم يُهزَم جونسون في الانتخابات لأن اسمه لم يصل إلى ورقة التصويت، لكن قراره عدم الترشح يُقرأ في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر، كهزيمة انتخابية استباقية، فرضتها عليه الحرب غير الشعبية، وفشل رهاناته في منطقة ليندون جونسون.
ترامب وفخ التكاليف الغارقة
-يمكن فهم سلوك دونالد ترامب اليوم تجاه إيران، في ظل الحرب الجارية منذ 28 فيفري 2026، بوصفه دخولًا في «منطقة ليندون جونسون» الجديدة: فهو يواصل التصعيد رغم تآكل احتمال تحقيق نصر سياسي او عسكري واضح، خوفًا من ثمن التراجع على صورته وهيبة الولايات المتحدة الامريكية.
في الفيتنام، رأى جونسون أن الانسحاب يعني انهيار مصداقية الولايات المتحدة في مواجهة الشيوعية، فاختار زيادة القوات والقصف، بدل البحث الجدي عن مخرج، مع كل موجة تصعيد تصبح كلفة التراجع نفسيًا وسياسيًا أعلى. هذا هو «فخ التكاليف الغارقة»: بما أننا دفعنا الكثير من الدم والمال، نرفض الاعتراف بالفشل، ونواصل الحرب أملًا في «تعويض الخسائر». موقف ترامب اليوم يشبهه تماما؛ فبعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وضرب آلاف الأهداف داخل إيران، يصعب عليه أن يعترف بأن النظام لم يسقط، وأن قدرته الصاروخية لا تزال قائمة، وأن غلق مضيق هرمز لم يُكسر بعد.
أما على المستوى الخطابي، فيصر ترامب في خطاباته على أنه دمّر القوة العسكرية الإيرانية وأنهم ”سحقوا” تقريبًا، ثم في الجملة نفسها يبرر استمرار الحرب، ويطلب من الحلفاء إرسال قوات لمواصلة القتال بلا أفق سياسي واضح.
– النظام الإيراني باقٍ وقدراته قائمة رغم الضربات
مثلما فشلت الولايات المتحدة في الفيتنام في تحطيم إرادة الخصم رغم التفوق العسكري، تبدو إيران اليوم، بعد أسابيع من القصف، قادرة على مواصلة الهجمات الصاروخية والمسيّرات، وعلى إبقاء مضيق هرمز تحت سيطرتها، ومُقيَّدًا أمام السفن الأمريكية وحلفائها. إن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب خطوط الإمداد، يعني أن الهدف المعلن إزالة التهديد لم يتحقق، بعد بقاء النظام السياسي في طهران، ونجاته من الضربة الأولى، يقوّض الرهان الضمني على تغيير النظام السريع، و الذي رافق الضربة الافتتاحية في 28 فيفري، حين قُدّمت العملية كضربة قاصمة قد تفتح الباب لانهيار السلطة.
دخل الرئيس ترامب في منطقة جونسون عندما وعد بحسم سريع، لكن ديناميكية الحرب تحولت إلى استنزاف طويل، فيما بقيت إيران محافظًة على بنيتها السياسية الأساسية.
– مضيق هرمز كمعادل إستراتيجي لفيتنام بالنسبة لترامب
في حرب فيتنام، تحوّل الميدان إلى مستنقع، يستنزف الولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، ويعرض صورة قوتها العالمية للتشكيك. واليوم يضطلع مضيق هرمز بدورًا مشابهًا:
-استمرار تعطيل أو تهديد الملاحة في المضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، يعني ضغطًا اقتصاديًا على الأسواق وعلى المستهلك الأمريكي نفسه.
-عجز واشنطن عن إعادة فتح المضيق رغم إعلانها استهداف البحرية الإيرانية و تدميرها ، يرسل رسالة بأن القوة العسكرية الأمريكية لا تكفي وحدها لضمان أمن الممرات الحيوية.
رد فعل الحلفاء يزيد عمق المستنقع : الاتحاد الأوروبي، الناتو، والصين لا يُظهرون حماسًا كبيرًا للمشاركة في «شرطة المضيق»، ما يجعل واشنطن تتحمل العبء الأكبر منفردة، ويزيد الفجوة بين خطاب ترامب عن «تحالف واسع» والواقع الفعلي.
– البعد الداخلي: من رئيس قوي إلى رئيس محاصر
خشي جونسون أن يُتهم بالضعف إذا أنهى الحرب، لكنه انتهى محاصرًا بحركة احتجاجية داخلية، وبانقسام حزبي أجبره على عدم الترشح في 1968. واليوم الرئيس دونالد ترامب يقدّم الحرب ضد إيران، كاختبار لقيادته القوية وقدرته على فرض الهيبة الأمريكية، خاصة بعد عودته إلى البيت الأبيض، لكن استمرار الحرب بلا حسم، مع ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال سقوط قتلى أمريكيين، يمكن أن سيتحول إلى عبء انتخابي داخلي، يضعه في وضعية مشابه لوضعية جونسون سنة 1968:
-كل تراجع أو قبول بتسوية مع نظام إيراني لم يسقط، سيُقدَّم من خصومه في الداخل كاعتراف بالفشل.
-وكل استمرار في التصعيد، سيزيد كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية، ويُغذّي روايات المعارضة، بأن الرئيس أدخل البلاد في حرب لا أفق لها.
بهذا المنطق يصبح ترامب أسيرًا للحرب التي بدأها؛ لا يستطيع إعلان النصر لأنه غير متحقق، ولا يستطيع الاعتراف بالهزيمة أو الاكتفاء بـردع محدود، دون خسارة جزء من قاعدته الخطابية التي بنى عليها صورته. هذه هي «منطقة ليندون جونسون»: مساحة رمادية بين النصر والهزيمة، يُفكّر فيها الرئيس بمنطق السمعة والتكاليف الغارقة ،أكثر مما يفكّر بمنطق الميزان الفعلي للمكاسب والخسائر.
إن حالة الرئيس دونالد ترامب مع إيران ،تمثل إعادة إنتاج معاصرة لفخ جونسون في فيتنام:
-في الحالتين، انطلقت القيادة من فرضية أن ضربة عسكرية حاسمة ستُسقط الخصم أو تُخضعه بسرعة؛
-ومع انكشاف خطأ الفرضية، استولى عليها هاجس المصداقية ومنع «إهانة» الولايات المتحدة، فاختارت استمرار الحرب بدل إعادة تعريف الهدف الإستراتيجي؛
-ومع بقاء الخصم (الفيتكونغ والدولة الفيتنامية آنذاك، والنظام الإيراني اليوم) ،وقدرته على ضرب المصالح الأمريكية (سقوط قتلى في فيتنام، وغلق هرمز وتهديد القواعد في الحالة الحالية)، يتحول النصر من هدف ممكن إلى شعار دعائي، بينما تتحول الحرب نفسها إلى مصدر تهديد لمستقبل الرئيس السياسي داخل بلاده.
اليوم يعيد دونالد ترامب إنتاج المنطق نفسه في حربه ضد إيران منذ 28 فيفري 2026؛ فبرغم بقاء النظام الإيراني وصموده المؤسسي، واستمرار قدرته على شن هجمات صاروخية ومسيّرات، وإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع أسعار النفط ويُربك التجارة العالمية، يصر ترامب على مواصلة الحرب وتصعيدها، مقدّمًا إياها كاختبار لهيبة الولايات المتحدة ولقوة قيادته الشخصية، في حين تتناقص فرص تحقيق إنجاز سياسي إستراتيجي واضح.
بهذا المعنى، تصبح «منطقة ليندون جونسون» هي تلك المساحة الرمادية التي يتحول فيها الرئيس من صانع قرار عقلاني، يوازن بين الكلفة والعائد، إلى أسير لفخّين متلازمين: فخّ المصداقية الدولية وفخّ التكاليف الغارقة.
ففيها يُفضَّل الاستمرار في حرب غير رابحة، على تحمّل صدمة الاعتراف بالفشل، أو قبول تسوية مع خصم لم يُهزم، حتى وإن كان هذا الاستمرار يوسّع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، ويحوّل الحرب نفسها إلى عبء انتخابي داخلي يهدد مستقبل الرئيس السياسي،
في الأفق لا يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قد يخرج من منطقة جونسون التي اوجد نفسه فيها، فمع تردد الحلفاء عن المشاركة في تأمين مضيق هرمز، وتنامي الخسائر الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة. ستضيق حلقات جونسون مع نتائج الانتخابات الكونجرس مع نهاية هذه السنة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى