حين يصبح التراث لغة تعارف والذاكرة تمشي على قدمين… جينالوجيا التشابه والاختلاف بين الجزائر وسورية

عبد الحميد كناكري خوجة
(كاتب ومفكر سوري حر)
{ سيرة الجزائر كما يراها الشاهد، بين المكان والمعايشة، التراث حين يرى من الخارج ويفهم من الداخل: من المطبخ الشعبي إلى المتحف, و جينالوجيا التشابه والاختلاف بين الجزائر وسورية}
الكتابة عن الجزائر من موقع العيش فيها ليست ترفا إنشائيا ولا ممارسة انطباعية، بل فعل معرفة ومسؤولية أخلاقية. هي كتابة الشاهد لا السائح، والمقيم لا العابر، ذاك الذي اختبر المكان في يومياته، لا في صورته المختزلة. ومن هذا الموقع تحديدا، تتشكل هذه القراءة بوصفها مقاربة أنطولوجية للتراث الجزائري الحي، كما يتجلى في تفاصيل الحياة قبل أن يصاغ في الخطاب. يلتقي الجزائري والسوري عند معنى الكرم قبل شكله، فالمائدة في البلدين فعل محبة لا مجرد طعام، والضيف يستقبل بوجه يسبق الباب. ويتشابهان في أناقة اللباس لا بوصفهما زينة، بل كامتداد للوقار، حيث يحفظ الثوب التقليدي الذاكرة كما تحفظها اللغة.
وفي الأعياد والمناسبات، تتقدم الروابط الإنسانية على الطقوس، فتغدو الزيارة صلة، والفرح مسؤولية مشتركة، والحزن سند لا يترك. هكذا تتقاطع العادات في سورية والجزائر: إختلاف في التفاصيل، واتحاد في الجوهر، كأن الأخلاق سبقت الجغرافيا إلى الاتفاق. منذ عام 2013 وأنا أعيش هنا، أشارك أهله وناسه مناسباتهم وأعيادهم، وأتنفس هواء مدنهم وقراهم، فاتضح لي التراث هنا ليس مادة محفوظة في الذاكرة فقط، بل ممارسة يومية تتجدد. المطبخ الجزائري على سبيل المثال، ليس مجرد تنوع في الأطباق، بل تعبير سيميولوجي عن الجغرافيا والتاريخ والعلاقات الاجتماعية، فــ”الكسكس”، بوصفه أيقونة جامعة، يتجاوز كونه طعاما ليغدو رابطا رمزيا بين المناطق والطبقات، فيما تحمل الأطباق المحلية الأخرى جينالوجيا المكان والذاكرة. أما الأزياء واللباس التقليدي، فهي نصوص بصرية ناطقة من الكاراكو إلى القفطان، ومن البرنوس إلى الحايك، حيث تتجاوز الجمالية مع الوظيفة، وتتكثف الدلالة الاجتماعية والتاريخية في نسق واحد. وفي القعدات التقليدية، حيث الشاي أو القهوة والحكاية أو البهجة والمرح، يتجلى التراث بوصفه فعل تواصل، لا طقسا متخفيا جامدا، وتظهر قيم التآلف والعيش المشترك بوصفها ممارسة تلقائية لا شعارا مؤدلجا.
وقد برز بوضوح لافت، الدور البنيوي الذي تضطلع به المتاحف والجمعيات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب جهود باحثين وأساتذة أكاديميين، في جمع هذا الموروث وصونه ونقله.
إننا أمام نموذج واع لما يمكن تسميته بالأنثربولوجية التطبيقية، حيث يحفظ التراث عبر تفعيله في الحاضر، لا عبر عزله في الماضي.
ومن موقع ” الآخر” تفرض المقارنة نفسها بين التراثين الجزائري والسوري، لا على سبيل المفاضلة، بل من زاوية التقاطع الحضاري. فالقواسم المشتركة التي رأيتها من خلال إقامتي هنا عديدة: في مركزية المطبخ، وفي تقديس الخبز، وفي الحرف والمهن اليدوية، وفي علاقة الإنسان في بيته وحيه. ومع اختلاف السياقات التاريخية، تتلاقى الجينالوجيا الثقافية في جوهرها، حيث بدا لي: كأن الذاكرة المشرقية والمغاربية نهلت من نبع حضاري واحد، ثم تفرعت دون قطيعة. أستنتج أن الجزائر كما عرفتها وعشتها ليست صورة خطابية ولا توصيفا رسميا، بل تجربة معيشة تؤكد أن التراث، حين يصان بالوعي والمعرفة، يتحول إلى جسر بين الأجيال، وإلى لغة حوار بين الذات والآخر.
وهنا تتجلى قيمة الجزائر الحقيقية: بلد يحفظ ذاكرته دون أن يحبسها، ويصون ماضيه دون أن يعطل مستقبله. فالتراث هو الهوية. نعم فلنزرع في عقول براعمنا وبرعماتنا عماد الحاضر والمستقبل ثقافة حفظ وصون التراث، فالتراث هو جوهر الهوية، والهوية شرط المواطنة الصالحة.




