العالم

حرب أوكرانيا ـ هل تستطيع مجموعة “E5” تجاوز الانقسامات الأوروبية؟

وكالات
تتزايد التحركات الأوروبية لتوحيد المواقف بشأن أبرز الملفات الأمنية والدولية، وفي مقدمتها أوكرانيا وإيران مع اقتراب قمة حلف الناتو المرتقبة في أنقرة. غير أن الخلافات حول تمثيل أوروبا دبلوماسيًا وتقاسم الأعباء الدفاعية داخل الحلف لا تزال تلقي بظلالها على جهود التنسيق بين الحلفاء.
الناتو وأوكرانيا في صدارة جدول الأعمال، وأوضح كورنيليوس أن المحور الرئيسي للاجتماع سيتمثل في التحضير لقمة الناتو المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، إلى جانب مناقشة تطورات الحرب الروسية الأوكرانية ومستجدات الأوضاع في الشرق الأوسط. وتأسست مجموعة الدول الخمس “فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، وبولندا” خلال عام 2024 استجابة للدعوات المتزايدة داخل أوروبا لتعزيز القدرات الدفاعية للقارة وتحسين التنسيق العسكري والسياسي لدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا في أوكرانيا.
ويأتي اجتماع برلين بعد أيام من قمة مجموعة السبع في باريس شارك فيها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث اتفق القادة، بحسب مصادر دبلوماسية، على زيادة إمدادات معدات الدفاع الجوي إلى أوكرانيا وتشديد العقوبات المفروضة على روسيا. توصل المشاركون إلى اتفاق يقضي بمنح تراخيص لشركات أوكرانية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية المحلية لكييف.
الشراكة عبر الأطلسي تواجه اختبارًا جديدًا
يبدو أن قمة مجموعة السبع أعادت تقريب وجهات النظر بين الأوروبيين والأمريكيين، لكن الشراكة عبر الأطلسي ستواجه قريبًا اختبارًا جديدًا، قل قمة حلف الناتو في أنقرة في يوليو من العام 2026، يعقد قادة خمس دول أوروبية أعضاء في الحلف اجتماعًا تنسيقيًا في برلين. وخلال اللقاء الذي دعا إليه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، تتم مناقشة مواصلة دعم أوكرانيا، ودور الأوروبيين في حل النزاع مع إيران، وتقاسم الأعباء بين دول الناتو. يُعد هذا أول اجتماع قمة لما يُعرف بمجموعة “E5” منذ آخر قمة للناتو التي عُقدت في يونيو من العام 2025 في لاهاي. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد شارك آنذاك أيضًا. وتتكون المجموعة من الدول الأوروبية الأربع الأعضاء في مجموعة السبع إضافةً إلى بولندا، التي تتاخم روسيا وتُعد نفسها ممثلةً لمصالح دول أوروبا الشرقية.
التحدث باسم أوروبا لا يزال محل خلاف
تتولى مجموعة أصغر تُعرف باسم “E3” قيادة الجهود الدبلوماسية الأوروبية الرامية إلى إنهاء حرب أوكرانيا. وتضم هذه المجموعة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فقط، وهو ما يثير انتقادات من إيطاليا وبولندا. ومن المتوقع أن يكون هذا الملف أحد محاور النقاش في برلين. يصر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك على أن تكون بولندا جزءًا من هذه المباحثات. صرح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك ، بحسب وكالة الأنباء البولندية PAP: “إن بولندا حلقة وصل لا غنى عنها على الإطلاق للحديث بجدية عن مستقبل أوكرانيا والمنطقة”. وأصبح موضوع من يتحدث باسم أوروبا بشأن أوكرانيا محل خلاف منذ فترة. في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في يونيو من العام 2026، أثار رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا جدلًا بعدما أجرى فريقه اتصالات مع روسيا دون تنسيق مسبق. وقد حظيت هذه الخطوة بدعم بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل أيرلندا والنمسا، بينما اعتبرها الوفد الألماني إهانةً لمجموعة E3.
الاتحاد الأوروبي منقسم حول مفاوضات حرب أوكرانيا
مد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا جسور التواصل مع موسكو، لكنه واجه اعتراضًا حادًا من المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولم يلق ذلك ترحيبًا لدى جميع الدول الأعضاء الـ27. فمَن سيكون صوت أوروبا في نهاية المطاف الذي ينبغي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتصال به إذا أراد التفاوض بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ يبدو أن الاتحاد الأوروبي منقسم حول هذه المسألة. فقد تعرض رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لانتقادات خلال قمة الاتحاد الأوروبي بعد أن أجرى فريقه اتصالات مع موسكو، حيث سارع كل من المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى كبح هذه المبادرة. ويرغب الزعيمان، إلى جانب المملكة المتحدة التي لم تعد عضوًا في الاتحاد الأوروبي، في الاحتفاظ بدور القيادة في الجهود الأوروبية لتحقيق السلام. ومع ذلك، يحظى كوستا كذلك بدعم بعض القادة الأوروبيين.
أكد ميرز عقب القمة إنه من المبكر تحديد من سيجلس في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات. وأضاف: “يجب أولًا الاتفاق على المضمون، ثم مناقشة الأطر والصيغ المناسبة”. وأكد أن أوكرانيا طلبت صراحةً أن تؤدي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، المعروفة باسم مجموعة “E3″، دورًا في العملية الدبلوماسية. كما أشار إلى أن إيطاليا وبولندا ستكونان منخرطتين بشكل وثيق في هذه الجهود، بينما يؤدي كوستا “دورًا مهمًا” في تنظيم المشاورات داخل الاتحاد الأوروبي.
كوستا يدافع عن مبادرته
برر كوستا اتصالاته مع موسكو قائلًا: “لا يمكننا الاعتماد فقط على الآخرين في تفسير الرسائل الروسية، ويجب أن نكون قادرين على إيصال رسائلنا مباشرة إلى روسيا”. وأضاف كوستا أن سوء الفهم الذي نشأ حول هذه القضية أمكن توضيحه خلال المناقشات. وأكد أنه لا يرى أي تناقض أو منافسة بين مختلف الجهات الفاعلة، بل إنها تكمل بعضها البعض. وأوضح أن الدول الأعضاء و”تحالف الراغبين” بقيادة فرنسا وبريطانيا سيكون لهما دور في تقديم الضمانات الأمنية، لكن مصالح الاتحاد الأوروبي يجب أن تدافع عنها مؤسساته وفقًا للمعاهدات الأوروبية.
اتصالات مع موسكو تشعل الخلاف
بدأت الأزمة بعد إجراء مستشار كوستا الرئيسي، بيدرو لورتي، محادثتين مع موسكو. وقد كُشف عن هذه الخطوة غير المنسقة مسبقًا مع قادة الدول والحكومات عبر تقرير لوكالة بلومبرغ، بينما كانت دول مجموعة السبع تحتفي بوحدتها بشأن أوكرانيا. وكان ميرز قد تحدث آنذاك عن “وحدة أوروبية وأطلسية كبيرة”. وأكد مقربون من كوستا أن الهدف كان فقط فتح قنوات دبلوماسية دون الخوض في القضايا الجوهرية، أي أنها كانت خطوة تقنية بحتة. وخلال مناقشات القمة، دافع كوستا عن هذه المبادرة باعتبارها استعدادًا لتمثيل مصالح الاتحاد الأوروبي عندما يحين الوقت المناسب.
لم يشارك ميرز وماكرون، وهما من أبرز قادة الاتحاد الأوروبي، هذا الرأي. فقد وصفت الأوساط الألمانية مبادرة كوستا بأنها “غير منسقة” و”غير مهنية”، بل اعتبرها البعض “إهانة سياسية”. وخلال مناقشات القمة، رفض ميرز منح كوستا أي تفويض تفاوضي، مؤكدًا أن رئيس المجلس الأوروبي يمثل الاتحاد الأوروبي لكنه ليس وسيطًا في النزاع الأوكراني. أما ماكرون فلم ينتقد كوستا علنًا، واكتفى بالقول إن معرفة تفاصيل المبادرة ليست القضية الأساسية، مشددًا على أن العمل يجري في إطار من الثقة المتبادلة بين القادة الأوروبيين ومؤسسات الاتحاد. في المقابل، دافع رئيس الوزراء الإيرلندي عن خطوة كوستا، معتبرًا أن فتح قناة حوار مع موسكو ليس خطأ، ومؤكدًا ثقته في رئيس المجلس الأوروبي. وأضاف رئيس الوزراء الإيرلندي أنه إذا بدأت مفاوضات رسمية، فمن الطبيعي أن يمثل كوستا الاتحاد الأوروبي ضمن صلاحياته المؤسسية.
مطالبات بذل المزيد من الجهد في الدفاع المشترك
إلى جانب توسك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، سيتوجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى برلين، رغم إعلانه الاستقالة. سينضم الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إلى الاجتماع عبر الاتصال من واشنطن، حيث سيلتقي لاحقًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتطالب الولايات المتحدة الأوروبيين ببذل المزيد من الجهد في الدفاع المشترك داخل الحلف. وفي الوقت نفسه، تُبدي واشنطن استياءً من ضعف الدعم الذي يقدمه الحلفاء، من وجهة نظرها، في الحرب مع إيران، التي بدأت الولايات المتحدة خوضها إلى جانب إسرائيل في فبراير من العام 2026.
تسعى دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى تعويض ذلك من خلال المساهمة في تعزيز الأمن في مضيق هرمز، ذي الأهمية الإستراتيجية بين إيران وعُمان، عبر نشر كاسحات ألغام وسفن حربية في حال استمرار وقف إطلاق النار. وقبل لقائه مع ترامب، حاول مارك روته احتواء التوترات قائلًا لشبكة Fox News: “فيما يتعلق بحلف الناتو، أعلم أن هناك خيبة أمل، لكن ينبغي أن نتذكر أيضًا أن هذه حالات فردية”.
ما تداعيات ضرب أوكرانيا العمق الروسي؟
إن التطور الأخطر في المرحلة الحالية لا يتمثل في استمرار الحرب بحد ذاتها، بل في انتقالها بشكل متزايد إلى العمق الروسي واستهداف البنية التحتية الحيوية، وخاصة منشآت الطاقة والوقود. ويبدو أن أوكرانيا تسعى إلى تغيير قواعد الاشتباك من حرب استنزاف على الجبهة إلى حرب استنزاف اقتصادي ونفسي داخل روسيا نفسها، بهدف رفع كلفة الحرب على الكرملين وإظهار أن العمق الروسي لم يعد بمنأى عن تداعيات الصراع.
أما أوروبا، فمن المرجح أنها تنظر إلى هذه الهجمات باعتبارها جزءاً من حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها وإضعاف القدرات اللوجستية الروسية، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي توسيع نطاق الضربات إلى تصعيد غير محسوب يعرقل أي فرص مستقبلية للتسوية. في المقابل، قد ترد موسكو بتكثيف الهجمات على البنية التحتية الأوكرانية وتوسيع دائرة الأهداف العسكرية، مع استخدام هذه الهجمات لتبرير المزيد من التعبئة العسكرية داخلياً. وبذلك تدخل الحرب مرحلة أكثر حساسية، عنوانها استهداف مصادر القوة الاقتصادية واللوجستية للطرفين، وليس فقط السيطرة على الأراضي.”
النتائج
ـ إن الزاوية الأهم ليست ما إذا كانت مجموعة E5  قادرة على تجاوز الانقسامات الأوروبية بالكامل، بل ما إذا كانت قادرة على إدارتها ومنعها من التحول إلى شلل سياسي.  فالقمة تنعقد في لحظة تواجه فيها أوروبا ثلاثة اختبارات متزامنة: الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع إيران، وضغوط ترامب المتزايدة بشأن تقاسم الأعباء داخل الناتو.
ـ  ورغم وجود توافق واسع بين الدول الخمس على استمرار دعم أوكرانيا وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، فإن الخلاف الحقيقي يتمحور حول من يمتلك حق التحدث باسم أوروبا دبلوماسياً، سواء تجاه موسكو أو في الملفات الأمنية الكبرى.
ـ من المرجح أن تخرج قمة برلين برسالة وحدة سياسية تجاه روسيا واستعداد أوروبي لزيادة الإنفاق الدفاعي قبل قمة الناتو، لكنها لن تحسم الصراع الخفي على القيادة داخل أوروبا بين المؤسسات الأوروبية من جهة والمحور الفرنسي ـ الألماني ـ البريطاني من جهة أخرى.
ـ إن نجاح القمة سيقاس بقدرتها على تنسيق المواقف الأوروبية لا بتوحيدها بالكامل، لأن الانقسامات الحالية أصبحت مرتبطة بتوازنات النفوذ داخل أوروبا أكثر مما هي مرتبطة بالخلاف على الأهداف الاستراتيجية نفسها.
ـ إن المرحلة المقبلة قد تتحول إلى حرب على الاقتصاد والطاقة والقدرة على الصمود، وهي معركة قد تكون نتائجها أكثر تأثيراً من نتائج المعارك العسكرية المباشرة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى