إقتصاد وأعمال
تسارع حروب الطاقة

بقلم: البروفيسور محمد خوجة
من منظور جيوسياسي للطاقة، تعتبر الحروب الثلاثة الأخيرة: حرب أوكرانيا منذ 2022 وحرب غزة منذ ،2023 وحرب أمريكا والكيان الصهيوني على إيران منذ نهاية فيفري الماضي، كسلسلة مترابطة من “حروب الانتقال الطاقوي”، تسعى القوى الكبرى عبرها، إلى إعادة ضبط خرائط السيطرة على محاور التثبيت الاستراتيجي، وممرات الإمداد، وبُنى الطاقة التي سيقوم عليها النظام الطاقوي العالمي المقبل.
-جيوسياسيًا، هذه الحرب سرّعت “طلاقًا طاقويًا” بين أوروبا وروسيا، ودفعت نحو إعادة توجيه الغاز الروسي شرقًا (الصين، تركيا كمركز غاز)، مقابل اندفاع أوروبي نحو GNL الأمريكي والقطري، والطاقات المتجددة، ما يعيد صياغة توازنات السيطرة في سوق الغاز العالمي.
يمثل خط أنابيب “قوة سيبيريا” إلى الصين، وخطط تحويل تركيا إلى “مركز غاز” يستقبل الغاز الروسي ويعيد ضخه لأوروبا، هي آليات لإعادة تموضع روسيا، بعد خسارة الممر الأوكراني كمحور ارتكاز تقليدي.
– مع اندلاع حرب غزة، أوقف الاحتلال الصهيوني الإنتاج من حقل “تمار” (ثاني أكبر حقل غاز إسرائيلي ويحمل نحو 10 تريليون قدم³ من الغاز) ، وعلّقت عمليات في ميناء أشكلون النفطي، ما أدخل حالة عدم يقين على صادرات الغاز من إسرائيل إلى مصر التي تعاني أصلًا من أزمة طاقة.
من منظور الانتقال الطاقوي شرق المتوسط مرشحًا ليكون “منطقة تثبيت استراتيجي” لأوروبا: غاز قريب جغرافيًا، يدعم الخروج من الاعتماد على روسيا، وربما يشكل قاعدة مستقبلية لـ”اقتصاد هيدروجين” أخضر/أزرق؛ بالتالي، عدم الاستقرار الأمني في غزة وجنوب لبنان يعني تعريض هذه الرهانات لمخاطر كبيرة. -الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران منذ 28 فيفري 2026 أثارت مباشرة مخاوف عالمية حول أمن إمدادات النفط والغاز التي تمر عبر مضيق هرمز؛ حوالي خمس نفط العالم، وقرابة 20 ٪ من تدفقات السوائل البترولية وGNL، تعبر هذا المضيق. وأي تعطيل شامل لهرمز سيضرب أيضًا الصين والدول الآسيوية المستوردة، ويقوّض إستقرار النظام الاقتصادي العالمي، الذي لا يزال يعتمد بقوة على النفط. بمعنى آخر، مضيق هرمز هو “محور ارتكاز جيوسياسي بحري”؛ السيطرة عليه أو القدرة على تعطيله، تمنح فاعلًا إقليميًا مثل إيران وزنًا يفوق حجمه الاقتصادي، وتجبر القوى الكبرى على إعادة حسابات توازن القوة في الخليج والشرق الأوسط. ما يكشفه الوجه الحقيقي للحرب في زمن الانتقال الطاقوي هذه الحروب، متعاقبة ومترابطة، تكشف من زاوية جيوسياسية بعض الملامح الجوهرية لـ“حروب الانتقال الطاقوي”:
-أولًا: الانتقال الطاقوي ليس عملية تقنية أو بيئية فقط، بل هو صراع على من يهيمن على خرائط الإنتاج، العبور، والتسعير.
حرب أوكرانيا أعادت رسم خطوط الغاز بين روسيا وأوروبا؛ حرب غزة تهز مشروع شرق المتوسط؛ الحرب ضد إيران تهدد شريان هرمز الذي يغذي آسيا وأوروبا بالنفط والغاز.
-ثانيًا: محاور التثبيت الاستراتيجي تتغير نوعيًا؛ لم يعد الأمر مقتصرًا على “قلب أوراسيا” بمفهومه الكلاسيكي، بل شمل عقود الغاز (أوكرانيا سابقًا، تركيا، شرق المتوسط، الخليج)، والمضائق (هرمز، باب المندب، قناة السويس) وموانئ التسييل والتخزين، إضافة إلى سلاسل توريد المعادن والتكنولوجيا المرتبطة بالطاقة المتجددة.
-ثالثًا: القوى الكبرى تسعى لضمان أن يكون الانتقال الطاقوي انتقالًا “مُتحكمًا فيه”، أي أن يحافظ على هرمية معينة في النظام الدولي:
-الولايات المتحدة تسعى لاحتكار موقع المورد المرجعي للـLNG لأوروبا، ولتأمين الممرات البحرية العالمية.
-روسيا تعيد توجيه مواردها نحو آسيا وتستخدم الطاقة أداة لإعادة بناء نفوذها في أوراسيا.
-قوى إقليمية (تركيا، إيران، دول الخليج، إسرائيل، مصر) تحاول التحول إلى مراكز عبور أو إنتاج محورية في النظام الجديد. رابعًا: كل جولة من هذه الحروب تكشف حدود “سردية” الانتقال الطاقوي السلس؛ فبدل أن يؤدي الانتقال إلى تقليل أهمية النفط والغاز فورًا، نرى أن قلة المرونة في النظام الطاقوي العالمي تجعل كل اضطراب صغير في أوكرانيا أو غزة أو هرمز ينعكس صدمة سعرية عالمية. من هنا يمكن القول إن “الوجه الحقيقي للحرب” في هذه الجبهة هو محاولة حسم ثلاثة أسئلة:
1. من يملك مفاتيح الإمداد (الآبار، الحقول، المعادن)؟
2. من يسيطر على مفاصل العبور (الأنابيب، الموانئ، المضائق)؟
3. من يحدد شروط التسويق والتسعير في النظام الدولي المقبل أسواق )الغاز، عقود غاز المميع GNL، أسواق الكربون والمعادن الحرجة)؟
هذه الأسئلة تجعل من الحروب الثلاث، حلقات في عملية إعادة هيكلة النظام الطاقوي العالمي، أكثر مما هي أحداث منفصلة، وتفسر لماذا تتحول مناطق “محاور الارتكاز” القديمة والجديدة، إلى مسارح صراع مستمر في زمن الانتقال الطاقوي. الصراع في زمن الانتقال الطاقوي مرشح لأن يستمر، في صورة حروب وأزمات حادة، لكنه في الوقت نفسه يصبح هو نفسه محرّكًا لتسريع الانتقال، وكاشفًا عن ملامح النظام الدولي السياسي والاستراتيجي الجديد.




