الجزائر
بين هزيمة 67 ومعركة 12 يوماً.. من أوهام الضربة الخاطفة إلى صدمة الردع الإيراني

طهران: مراسلة خاصة
أحد أبرز أسباب الفشل الاستراتيجي للعدو الصهيوني في معركة الإثني عشر يوماً، كان سوء فهمه العميق لواقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقياسه المغلوط المستند إلى تجارب قديمة، وتحديداً حرب الأيام الستة عام 1967. حيث ظن قادة الكيان السياسيون والعسكريون أنّ بإمكانهم تكرار سيناريو الضربة الخاطفة التي أذلت الجيوش العربية آنذاك، لإرباك مراكز القرار وشل الإرادة الدفاعية لدى طهران. لكنهم تجاهلوا حقيقة أن الواقع العسكري والاستراتيجي لإيران اليوم، لا يمت بأي صلة لواقع الدول العربية في ستينيات القرن الماضي.
حرب 1967 والاختلالات البنيوية؟
في حرب 1967، ورغم امتلاك دول كبرى كـمصر وسوريا والأردن جيوشاً ضخمة وتسليحاً متطوراً نسبياً، إلا أنّ تلك الجيوش كانت تعاني من اختلالات بنيوية عميقة، تمثلت في غياب التنسيق بين غرف العمليات، والانقسامات السياسية بين القادة العرب، والاعتماد المفرط على السلاح المستورد، إلى جانب الاضطرابات السياسية الداخلية. هذه العوامل مجتمعة وغيرها جعلت الهزيمة سريعة، قبل أن تتحول الحرب إلى مواجهة برّية شاملة. ضعف المعنويات، وغياب الخبرة القتالية، وافتقاد العمق الاستراتيجي، حول المعركة إلى انهيار شبه فوري.
القدرات الذاتية الإيرانية…والجاهزية الميدانية
في المقابل، طوّرت القوات المسلحة الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية نموذجاً مغايراً كلياً، مبنياً على التعددية والدمج بين التجربة والقدرة التقنية والدعم الاستراتيجي المحلي. على عكس الجيوش العربية التي كانت مرتهنة لتسليح خارجي، استطاعت إيران أن تبني قاعدة تسليحية وطنية متكاملة، تشمل الصواريخ الباليستية، أنظمة الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، الطائرات المسيرة، ومنظومات الاستخبارات، وذلك بجهود ذاتية واستثمارات استراتيجية طويلة الأمد، منحتها استقلالية شبه تامة عن الخارج. كما تتميز إيران اليوم بقوات مسلحة ذات جاهزية ميدانية عالية وخبرة واسعة في بيئات قتالية معقدة، من حرب السنوات الثمانية مع العراق، إلى ساحات المواجهة الإقليمية الممتدة في العقدين الأخيرين. القيادة العسكرية الإيرانية تتمتع ببنية مرنة، سريعة الحركة، قائمة على اتخاذ القرار وفق المعلومات الميدانية الدقيقة، وهو عنصر حاسم في الحروب الحديثة. وعلى مستوى الجبهة الداخلية، تملك إيران خاصية نادرة في العالم النامي، وهي درجة عالية من التماسك بين الشعب والدولة عند مواجهة تهديد خارجي، ففي حين عانت الدول العربية عام 1967 من انقسامات داخلية وفقدان الشرعية السياسية، تظهر التجربة الإيرانية قدرة على التعبئة الشعبية، وإدارة إعلامية متماسكة، ومناعة نفسية في ظل الحروب المركّبة.
خلاصة القول
إنّ اعتماد العدو الصهيوني على مقارنات سطحية بين إيران الحاضرة والجيوش العربية المنهارة في ستينيات القرن الماضي، كشف عن قصور تحليلي عميق في فهم التحولات الاستراتيجية والعسكرية داخل الجمهورية الإسلامية. فإيران اليوم ليست فقط قوة عسكرية متقدمة، بل أيضاً فاعل استراتيجي يمتلك عقلانية مركّبة ومرونة تكتيكية، تمكّنه من الجمع بين القوة الصلبة والناعمة، وبناء بنية ردعية صلبة عصيّة على الاختراق أو الإخضاع.




