سياسة

بين التهدئة والتسوية الكبرى.. ماذا تكشف التسريبات عن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني؟

واشنطن: خاص

في الوقت الذي ما تزال فيه أصوات المدافع تتردد في أنحاء الشرق الأوسط، وتتواصل التداعيات السياسية والعسكرية للمواجهة غير المسبوقة بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت تتسرب إلى وسائل الإعلام الغربية والأمريكية تفاصيل اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، يراه البعض بداية مرحلة جديدة في المنطقة، بينما يعتبره آخرون مجرد هدنة مؤقتة فرضتها موازين القوى التي أفرزتها الحرب.

ورغم عدم الإعلان رسمياً عن اتفاق نهائي حتى الآن، فإن المعطيات المتداولة تكشف عن ملامح تفاهم واسع يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، ليشمل ملفات استراتيجية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وأمن الخليج، ومستقبل العقوبات الاقتصادية، وحتى شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور خلال السنوات المقبلة.

من الحرب إلى التفاوض

عندما بدأت المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، كان الهدف المعلن في واشنطن يتمثل في اسقاط النظام، ومنع طهران من تطوير قدرات نووية عسكرية، وإجبارها على التراجع عن سياساتها الإقليمية التي تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها وحلفائها.

لكن مع اتساع دائرة الاشتباك، واستهداف القواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية في الخليج، وارتفاع كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي، خاصة بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، بدا واضحاً ان واشنطن عجزت عن تحقيق اهداف الحرب المعلنة، وأن استمرار الحرب سيقود إلى خسائر يصعب على جميع الأطراف تحملها.

من هنا عادت واشنطن مجددا إلى طاولة التفاوض، “بعدما خانت الديبلوماسية مرتين” على حد قول الإيرانيين، ولكن المرة اعتراف بالأمر الواقع حيث باتت طهران تمسك بأوراق ثقيلة، كما أن طرفين أدركا أن الحرب الشاملة قد تكون أكثر كلفة من التسوية السياسية.

مضيق هرمز.. مفتاح الاتفاق

تكشف التسريبات أن جوهر التفاهم الجاري لا يتعلق بالبرنامج النووي فحسب، بل يرتبط أساساً بمضيق هرمز، الذي يشكل الشريان الحيوي لتدفق الطاقة العالمية.

فخلال الأزمة الأخيرة أثبتت إيران أنها قادرة على التأثير في حركة التجارة الدولية وأسواق النفط، من خلال موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية المنتشرة على طول الخليج العربي.

ولهذا يبدو أن الأولوية الأمريكية أصبحت تتمثل في ضمان حرية الملاحة، وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية، حتى وإن تطلب ذلك تقديم تنازلات في ملفات أخرى كانت تعتبر في السابق خطوطاً حمراء.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن إعادة فتح المضيق وضمان أمن الملاحة، وكذا رفض الحصار البحري عن الموانئ الايرانية ستكون في مقدمة البنود التي يتم تنفيذها فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وهو ما يعكس حجم القلق الدولي من استمرار التوتر في هذه المنطقة الحساسة.

ماذا تريد واشنطن؟

من الناحية السياسية، تحتاج الإدارة الأمريكية إلى إنجاز يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره نجاحاً استراتيجياً.

فبعد أشهر من التصعيد العسكري، تريد واشنطن أن تظهر أنها نجحت في منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية، وأنها أعادت الاستقرار إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

غير أن قراءة أعمق لبنود الاتفاق المتسربة تكشف أن الولايات المتحدة تخلت عملياً عن بعض الأهداف التي كانت تطرحها في بداية الأزمة.

فبدلاً من الحديث عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بات الحديث يدور حول تنظيم عمليات التخصيب وإخضاعها لرقابة دولية مشددة، وهو ما يعني اعترافاً ضمنياً باستمرار البرنامج النووي الإيراني في إطار مدني أو شبه مدني.

كما أن الاتفاق لا يتضمن حتى الآن أي التزامات إيرانية تتعلق بإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية أو التخلي عن شبكة التحالفات الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.

ماذا ربحت إيران؟

في المقابل، تبدو طهران في موقع يسمح لها بتقديم الاتفاق بوصفه انتصاراً سياسياً واستراتيجياً.

فإيران التي تعرضت لضغوط عسكرية واقتصادية هائلة نجحت في الحفاظ على نظامها السياسي، وعلى بنيتها النووية الأساسية، كما أنها انتقلت من موقع الدولة المحاصرة، إلى موقع الطرف الذي تتفاوض معه الولايات المتحدة مباشرة للوصول إلى تسوية.

وتشير التسريبات إلى أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وزيادة صادرات النفط الإيرانية إلى الأسواق العالمية.

وبالنسبة للقيادة الإيرانية فإن هذه النتائج تمثل اعترافاً أمريكياً ضمنياً بأن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها، وأن طهران ما تزال لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط. 

الملفات المؤجلة

ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن القضايا الأكثر حساسية ما تزال عالقة.

فلا يوجد اتفاق نهائي بشأن نسبة التخصيب التي ستسمح بها الولايات المتحدة، كما أن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ما يزال محل خلاف.

كذلك لم يتم التوصل إلى تفاهمات واضحة بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، أو الدور الذي تلعبه القوى الحليفة لطهران في لبنان والعراق واليمن وسوريا.

وهذا يعني أن الاتفاق المرتقب لا يشكل نهاية للصراع الأمريكي الإيراني، بل مجرد إطار لإدارته ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

إعادة رسم التوازنات الإقليمية

إذا تم التوصل إلى الاتفاق بصيغته المتداولة، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات.

فالولايات المتحدة ستكون قد انتقلت من سياسة الاحتواء بالقوة، إلى سياسة الاحتواء عبر التفاوض.

أما إيران فستخرج من المواجهة باعتبارها قوة إقليمية تمكنت من الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية، وفرضت نفسها طرفاً رئيسياً في أي ترتيبات مستقبلية تخص أمن الخليج والشرق الأوسط.

في المقابل، ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع استراتيجي مختلف عما كانت تطمح إليه، إذ إن التسوية الحالية لا تتضمن القضاء على البرنامج النووي الإيراني أو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورة حاسمة، بل تؤسس لتوازن ردع جديد قد يستمر لسنوات.

 تسوية الأمر الواقع

في المحصلة، تكشف التسريبات أن ما يجري بين واشنطن وطهران ليس اتفاق سلام تاريخياً بقدر ما هو تسوية فرضتها الضرورات الاستراتيجية للطرفين، او كما يقول البعض “تسوية الضرورة لا تسوية التاريخ”، فالحرب حسب دوائر أمريكية لم تنتج منتصراً واضحاً، كما لم تفرض هزيمة كاملة على أي من المعسكرين.

ولهذا يبدو الاتفاق المرتقب أقرب إلى هدنة استراتيجية طويلة الأمد، تسمح للطرفين بإعادة ترتيب أوراقهما، وتمنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، من دون أن تلغي أسباب الصراع العميقة التي ما تزال قائمة.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق سيوقع أم لا، بل بما إذا كان قادراً على الصمود أمام الملفات المؤجلة التي تمثل جوهر الخلاف الأمريكي الإيراني منذ أكثر من أربعة عقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى