
تقرير/ بلال سناء
غالبا ما تكون كلمتا ماما وبابا هي الكلمات الأولى التي يتحدث بها الطفل، ويمكن أن يتحول ذلك اليوم العادي الذي نطق فيهما الطفل هاتين الكلمتين إلى يوم استثنائي لا ينسى للآباء والأمهات، ولكن إذا لاحظ الأولياء أن طفلهم يختلف عن أقرانه في قدراته على التحدث فهذا يمكن أن يخلق القلق بين الآباء والأمهات، متسائلين لماذا لم يتكلم طفلي بعد، هل طفلي مصاب بالتوحد أم لديه تأخر في النطق، دوامة من الأسئلة تغزو بال الأولياء جراء التصرفات والسلوكيات التي تصدر عن طفلهم، تصرفات متشابهة إلى حد كبير بين طيف التوحد والتأخر في النطق، إلا أن المختصين يوضحون الفرق بينهما، فالطفل الذي لديه اضطراب تأخر النطق تكون لديه مسبقاً مؤشرات على الفهم، ولا يمتلك فقط اللغة، بينما طفل التوحد لا تكون لديه مؤشرات على الفهم، إضافة الى تأخر النطق.
أسباب تأخر النطق عند الطفل
قد يكون تأخر الكلام عند الطفل الذي يتطور عادة بشكل طبيعي بسبب ضعف الفم، وهذا لوجود مشاكل في اللسان أو الحنك سقف الفم على سبيل المثال، أو الجدار القصير تحت اللسان، يمكن كذلك أن يحد من حركة اللسان لإنتاج الكلام ، كذلك هناك أسباب تأخر النطق الدماغية، حيث أن العديد من الأطفال لديهم مشاكل في حركة الفم، وتحدث هذه عندما تكون هناك مشكلة في مناطق الدماغ المسؤولة عن الكلام، مما يجعل من الصعب تنسيق الشفاه واللسان والفك لإنتاج أصوات الكلام، وقد يكون لهؤلاء الأطفال أيضا مشاكل أخرى مرتبطة بالفم، مثل صعوبات التغذية ومشاكل الأذن مما يسبب تأخرا في النطق عند الطفل، ترتبط بمشاكل السمع عادة ، هذا السبب يدفع اخصائي السمع لاختبار السمع عند الطفل كلما كانت هناك مشاكل في كلامه ، وقد يواجه الأطفال الذين يعانون من صعوبة في السمع صعوبة في التعبير وكذلك فهم وتقليد وإستخدام اللغة إلتهابات الأذن خاصة الالتهابات المزمنة حيث يمكن ان تؤثر على السمع، أما إصابات الأذن البسيطة التي تمت معالجتها فلا ينبغي أن تؤثر على الكلام ، فطالما كان هناك سمع طبيعي في أذن واحدة على الأقل فالكلام واللغة تتطور بشكل طبيعي.

أم يوسف: ظننت أن إبني يعاني من فقدان السمع إلا انه مصابٌ بالتوحد
قول أم يوسف لاحظت أن إبني اشبه بدمية متحركة ، يميل إلى العزلة ، لا يرغب في مشاركة أقرانه باللعب ، ظننت أنه يعاني من فقدان السمع ، طرقت أبواب الأطباء لمعرفة علة صغيري ، إلا أن اثبتت الفحوصات أن إبني يوسف بصحة جيدة ولكنه يعاني من ” الأوتيزم “، تقول أم يوسف ان وقع كلمة ” الأوتيزم ” على أذنيها غريبة ، فاحتضنت طفلها وحاولت أن تقنع نفسها بانه لا يعاني من شيء، إلى إن لاحظت إن حالته في طريقها الى التفاقم ، ما دفعها للبحث عن كلمة” الأوتيزم”، حيث اكتشفت أنه أحد أنواع مرض التوحد الذي يسبب عطب في الجهاز العصبي المركزي، يجعل المصابين به يميلون إلى العزلة، ويفقدون القدرة على التكيف مع العالم الخارجي، تضيف أم يوسف أن الأمر أصبح أكثر تعقيدا عندما بلغ يوسف 10 سنوات، حيث إن عقله مازال في عمل طفل ذو العامين، حاولت أم يوسف ان تقلص الفجوة بينه وبين أقرانه بإدخاله المراكز المتخصصة لعلاج اضطرابات التوحد لتساعد ابنها على التحكم في مشاعره التي لا يجيد التعبير عنها.
أم عادل: “ساعدتني الروضة على علاج ابني بطريقة سلوكية أهمها الاندماج”
توضح أم عادل أنها لاحظت أن ابنها مختلف عن باقي الأطفال، فقد قارنت تصرفاته مع شقيقه الأصغر منه بسنة، وكيف يتفاعل مع محيطه على عكس سلوكه الهادئ، فأدركت أن هناك أمر غير صحيح في عملية نمو طفلها، وتبين أنه في عمر السنة والنصف كان يتحدث بابا وماما دون أي كلمات أخرى، ولكن عندما أصبح بعمر السنتين توقف عن قولهما، واكتفى بالإشارة لما يريد، وبما أن والدته كانت تفهمه وتقدم له ما يريد، شعرت مع الوقت أن هنالك أمرا غير صحيح، فكيف سيفهمه الآخرون، وتضيف أم عادل أن ابنها كان يكبر لكنه لم يتطور في مهاراته اللغوية مثل باقي الأطفال، حتى كلمة ماما وبابا توقف عن نطقها، وتضيف ذات المتحدثة أنها قرأت الكثير عن التوحد والتأخر اللغوي لمعرفة تصرفاتهم والافعال التي يقدمون عليها في عمر 5 سنوات، إلى جانب مراقبة طفلها لتحدد حالته، لعلها تجد تفسيرا منطقيا أو طريقة تدلها على الوسيلة الأنسب لحل هذه المشكلة، وعند اقتراب عمر طفلها من 6 سنوات اتخذت أم عادل قررا بمنع الهاتف عن ابنها إلا أن اعتقادها في ذلك الوقت أن الهاتف وراء عدم تحدثه كان خطأ، حيث ساءت حالته وأصبح يبكي دون سبب زاد قلق أم عادل من إصابة طفلها بالتوحد وبعد تطور حالته أخذته إلى طبيب نفساني للأطفال وبعد فحوصات وتمارين نفسية وسلوكية عدة تم تشخيص حالة ابنها أنها تأخر في النطق كحال العديد من الأطفال، وتضيف أم عادل أن الطبيب النفساني المختص وجهها لاتباع طرق مختلفة للتعامل مع طفلها وإدخاله روضة الأطفال لمشاركة الأطفال اللعب بطريقة سليمة، فضلا عن تواصل الأهل معه، لأن اندماجه مع أقرانه هو الأهم، فقامت أم عادل بتسجيل ابنها في الروضة ليتفاعل مع الأطفال ويلعب معهم، وتضيف ذات المتحدثة أن ابنها تحسن قليلا منذ بدء معالجته وأصبح يتلفظ بعض الكلمات البسيطة ويحاول أن يشكل جملا وأصبح يتحدث ويتواصل مع الأطفال موضحة أن ابنها كان يحتاج إلى عناية وجهد متواصل، حال الطفل عادل كحال الكثيرين من الأطفال ممن يعانون تأخر في النطق، ويمكن أن يؤدي إهمال هذه الحالات لنتائج تؤثر على تطور نمو الطفل وتفاعله.
د. أحمد فراح (الأخصائي النفسي): يجب التمييز بين التوحد وصعوبة النطق
أوضح الأخصائي النفسي الدكتور أحمد فراح أن تأخر النطق يبدا من عمر سنة ، فعدم قول الطفل أبسط الكلمات أو إذا أصبح عمره 16 شهرا ولم يتكلم هنا يجب أن يدرك الأهل أن لديه مشكلة في النطق ، و إذا نطق أقل من عشر كلمات وهو في عمر 18 أو 20 شهرا أو أقل من خمسين كلمة في عمر 21_30 شهرا يكون لديه تأخر بمراحل التطور ، موضحا ان علاج تأخر في النطق أمر سهل، بداية يأخذ الطفل الى معالج نطق يبدأ معه في الأساسيات وتقويم النطق، ويشير الدكتور فراح أنه للأسف يوجد الكثير من الأهل يعتقدون أن أطفالهم لديهم مشكلة في النطق، بينما في حقيقية الأمر يعانون من التوحد، إذ يعتمدون على سياسة التشخيص التقليدي دون اللجوء الى مختص، منوها الى ضرورة التقييم من قبل طبيب وليس من قبل معالج نطق، مشيرا أن الكثير من الأهل تكون خياراتهم بسماع كلمة تأخر في النطق وفرط في الحركة رافضين سماع كلمة التوحد خوفا منها، ويوضح الدكتور فراح أن تأخر الطفل في النطق يمكن أن يشفى مع الوقت، ولكن الخوف يكمن عندما يرافق تأخر النطق طيف من أطياف التوحد لهذا ينصح الأخصائي النفسي بضرورة التشخيص المبكر لتفادي تفاقم اضطراب التوحد، مشيرا الى أهمية التميز بين التوحد وصعوبة النطق والإعاقة العادية وصعوبات السمع موضحا الى إحتمالية أن يكون تأخر النطق وراثة.
د. محمد منير عباس (أخصائي نفساني): هناك فرق بين طيف التوحد واضطراب تأخر الكلام
أوضح الأخصائي النفسي العيادي الدكتور محمد منير عباس مختص في الطب النفسي العيادي ، أن الكثير من الأولياء لا يفرقون بين اضطراب طيف التوحد واضطراب تأخر اللغة ، موضحا ان الكثير من الأمهات والآباء يتخوفون ويبدون قلقا كبيرا على أولادهم إذا ما ظهرت عليهم مؤشرات معينة من شأنها أن تكون سببا في تأخر النطق، مضيفا أنه في الكثير من الأحيان يلجا الأولياء الى العيادات النفسية وفي اذهانهم نظرة مسبقة بأن ابنهم تظهر عليه مؤشرات طيف التوحد، خاصة مع الانتشار الواسع لهذا الاضطراب في الآونة الأخيرة، كما أضاف الدكتور عباس منير أنه يجب التفريق بين تأخر النطق عند الأطفال وطيف التوحد من حيث أنه اضطراب، موضحا أنه يبدا من خلال الفترة العمرية، فتأخر الكلام عند الطفل لا يمكن تشخصيه كاضطراب إلا بعد السنة الرابعة من حياة الطفل، لكن الطفل تكون لديه مسبقاً مؤشرات على الفهم للأوامر ولا يمتلك فقط اللغة ، بينما طفل طيف التوحد لا يكون لديه مؤشرات للنطق خلال السنتين الأوليين، ولا تكون لديه القدرة على الفهم وتطبيق الأوامر ولا يميل الى اللعب الجماعي والاستجابة للمناداة أو الأصوات عنده تكون جد ثقيلة أو منعدمة في بعض الأحيان، بالإضافة إلى النظرة الجانبية في الإبصار، مضيفا أن للطفل التوحدي بعض السلوكيات النمطية كالرفرفة أو الحركة المفرطة، بينما لا نجد هذا السلوك عند الطفل الذي يعاني من تأخر النطق هذا الأخير لديه فهم كبير واستجابة سريعة مقارنة مع طفل طيف التوحد، كما لديه تواصل بصري جيد وتواصل إجتماعي، مؤكدا على ضرورة التفريق بين طفل طيف التوحد والطفل الذي يعاني من اضطراب تأخر الكلام.




