بين اختبار التنفيذ وعودة التصعيد: هل تتجه مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية نحو الانهيار؟

طهران: علي الموسوي
تدخل المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية بعد الانتقال من مرحلة التفاوض والتوقيع إلى مرحلة التنفيذ العملي، فبينما كان يُنظر إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بوساطة إقليمية ودولية، على أنها بداية مسار لاحتواء الحرب، ووقف التصعيد في أكثر من جبهة، تكشف التطورات الأخيرة أن العقبة الحقيقية لم تكن في صياغة البنود، بقدر ما تكمن في القدرة على فرض تنفيذها، وخاصة ما يتعلق بالجبهة اللبنانية.
لقد حملت التصريحات الإيرانية الصادرة خلال الساعات الأخيرة رسائل واضحة مفادها أن طهران تعتبر أن الاختبار الأول للمذكرة قد فشل، أو على الأقل دخل منطقة الخطر، بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وعدم نجاح واشنطن في إلزام تل أبيب بوقف إطلاق النار، والانسحاب من المناطق التي يفترض أن يشملها الاتفاق.
من التوقيع إلى أزمة الثقة
تشير تصريحات المسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران لا تنظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها اتفاقاً تقنياً محدوداً، بل تعتبرها “حزمة متكاملة” مترابطة البنود، ولذلك فإن الإخلال بأي بند أساسي يهدد كامل البناء التفاوضي.
وتكشف تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن البند الأول من المذكرة يحتل موقعاً مركزياً في الرؤية الإيرانية، لأنه يتعلق بوقف الحرب على جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان. ومن وجهة نظر طهران، فإن الولايات المتحدة لم تفشل فقط في تنفيذ التزاماتها، بل إنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار العمليات الإسرائيلية بحكم كونها الضامن الرئيسي للتفاهم.
وهنا تظهر إحدى أبرز المعضلات التي واجهت كل الاتفاقات الأمريكية ـ الإيرانية خلال العقود الماضية: فإيران تميز بين التوقيع السياسي والقدرة الفعلية على التنفيذ، بينما ترى أن واشنطن غالباً ما تعجز عن ضبط سلوك حلفائها الإقليميين أو لا ترغب في ذلك.
إسرائيل… العقدة الحقيقية في الاتفاق
من خلال قراءة المواقف الإيرانية يمكن الاستنتاج أن الخلاف الحالي لم يعد بين طهران وواشنطن فحسب، بل أصبح يتمحور حول الدور الإسرائيلي.
فإيران تعتبر أن الولايات المتحدة تعهدت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بضمان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. أما إسرائيل فتبدو وكأنها تتعامل مع التفاهم الأمريكي ـ الإيراني باعتباره قيداً على حريتها العسكرية.
ولهذا السبب يعتقد عدد من المراقبين أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أن يتحول الاتفاق إلى إطار دائم، مستفيدة من التناقض القائم بين الحاجة الأمريكية إلى تثبيت التهدئة، وبين الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، التي تريد الى فرض واقع جديد في الخريطة اللبنانية.
ومن هنا يمكن فهم اللهجة الإيرانية المتشددة التي حملت واشنطن مسؤولية أي خرق إسرائيلي، باعتبار أن طهران تريد منع الولايات المتحدة من التذرع بعدم قدرتها على التأثير في القرار الإسرائيلي.
ورقة مضيق هرمز: ضغط سياسي أم خطوة استراتيجية؟
التطور الأخطر تمثل اليوم في الإعلان الإيراني عن إعادة إغلاق مضيق هرمز، وربط هذه الخطوة باستمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
لكن المشهد يبدو أكثر تعقيداً من مجرد إعلان سياسي، إذ سارعت القيادة المركزية الأمريكية إلى التأكيد أن الملاحة البحرية لا تزال مستمرة وأن عشرات السفن التجارية عبرت المضيق بصورة طبيعية.
هذا التناقض يعكس احتمالين:
الأول، أن إيران أرادت توجيه رسالة ردع وضغط سياسي أكثر من رغبتها في تنفيذ إغلاق كامل وفوري للمضيق.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن طهران بدأت تطبيق إجراءات أمنية وعسكرية تدريجية يمكن تطويرها لاحقاً إذا استمر التعثر في تنفيذ الاتفاق.
وفي الحالتين، فإن مجرد إعادة طرح ملف هرمز على الطاولة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأن المضيق يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه سيؤدي إلى انعكاسات اقتصادية دولية واسعة.
لماذا تتجنب طهران الانسحاب الكامل من المذكرة؟
رغم حدة الخطاب الإيراني، فإن التصريحات الرسمية تكشف أن طهران لم تتخذ قراراً بالانسحاب من التفاهم.
فالوفد الإيراني المتوجه إلى سويسرا لا يحمل أجندة تفاوض جديدة، بل يهدف إلى متابعة التنفيذ والمطالبة بتوضيحات وضمانات من الطرف الأمريكي.
وهذا يعني أن إيران لا تزال ترى إمكانية لإنقاذ الاتفاق، لكنها تريد رفع مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي على واشنطن.
ومن الواضح أن القيادة الإيرانية تحاول تحقيق توازن دقيق بين أمرين:
– المحافظة على المكاسب التي حققتها عبر المسار التفاوضي.
– منع الطرف الآخر من استثمار التهدئة دون تقديم المقابل المتفق عليه.
لذلك تتبنى طهران حالياً سياسة “التصعيد المحسوب”، أي رفع سقف التهديد دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
واشنطن بين التزاماتها وحسابات المنطقة
تواجه الإدارة الأمريكية بدورها معضلة معقدة، فهي من جهة تحتاج إلى الحفاظ على التفاهم مع إيران لتجنب انفجار إقليمي واسع قد يهدد أسواق الطاقة والانتخابات والتحالفات الأمريكية في المنطقة.
ومن جهة أخرى، لا تريد الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل أو ممارسة ضغوط قد تُفسر داخلياً على أنها تقييد لحرية التحرك الإسرائيلي.
ولهذا تبدو واشنطن وكأنها تحاول كسب الوقت، أملاً في احتواء التوتر دون تقديم تنازلات كبيرة لأي من الطرفين.
غير أن هذه الاستراتيجية قد تصبح أكثر صعوبة إذا قررت إيران ترجمة تهديداتها إلى إجراءات ميدانية فعلية، سواء في الخليج، أو في الساحات الإقليمية الأخرى.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال الأيام والأسابيع المقبلة:
السيناريو الأول: إنقاذ الاتفاق
تنجح واشنطن في ممارسة ضغوط على إسرائيل لخفض العمليات العسكرية في لبنان، فتتراجع حدة الموقف الإيراني، ويُستأنف البحث في الاتفاق النهائي. وهذا السيناريو يبقى الأكثر فائدة لجميع الأطراف.
السيناريو الثاني: تعثر طويل الأمد
يستمر تبادل الاتهامات مع بقاء الاتفاق قائماً شكلياً دون تنفيذ فعلي. وفي هذه الحالة تتحول مذكرة التفاهم إلى إطار هش قابل للانفجار في أي لحظة.
السيناريو الثالث: انهيار التفاهم
إذا استمرت العمليات الإسرائيلية وتصاعدت الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز أو غيره من الجبهات، فقد تنهار المذكرة بالكامل، لتعود المنطقة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران مع احتمال توسع الحرب إلى مسارح جديدة.
تكشف الأزمة الحالية أن التحدي الحقيقي أمام المذكرة الأمريكية ـ الإيرانية ليس التوقيع عليها، بل فرض تنفيذها في بيئة إقليمية تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ولبنان وقوى أخرى. فبالنسبة لطهران، أصبح لبنان معياراً لقياس صدقية واشنطن، بينما ترى الولايات المتحدة أن نجاح الاتفاق يتطلب إدارة توازنات معقدة مع حلفائها. وبين هذين المنظورين يقف مضيق هرمز كأخطر أوراق الضغط التي لو جرى استخدامها فعلياً، فإن الأزمة ستنتقل من نزاع سياسي حول تنفيذ تفاهم إلى مواجهة ذات تداعيات استراتيجية على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.




