ملف الساعة
بين إنهاء الحرب وإعادة هندسة المنطقة.. ماذا تريد إيران من الاتفاق مع واشنطن؟

طهران: علي الموسوي
بينما لا تزال الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن قيد الصياغة، تكشف التسريبات الصادرة عن أوساط إيرانية مطلعة على مسار المفاوضات عن ملامح اتفاق يتجاوز في أبعاده ملف الحرب الدائرة حالياً، ليطال مجمل الترتيبات الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
ورغم تأكيد المصادر الإيرانية أن عدداً من نقاط الخلاف لا يزال قائماً بين الطرفين، فإنها تصف ما تم التوصل إليه حتى الآن بأنه “إنجاز استراتيجي”، نظراً لما يتضمنه من تحولات غير مسبوقة في طبيعة العلاقة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، وفي طريقة إدارة الصراعات الإقليمية المرتبطة بهما.
أولوية وقف الحرب في كل الجبهات
يحتل بند وقف الحرب موقع الصدارة في مذكرة التفاهم المقترحة، إذ ينص على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات المرتبطة بالمواجهة الحالية، بما في ذلك الساحتان الإيرانية واللبنانية.
وتعتبر طهران هذا البند المكسب الأكبر في الاتفاق، لأنه لا يقتصر على التزام أمريكي بعدم شن عمليات عسكرية جديدة ضد إيران، بل يمتد – وفق التفسير الإيراني – ليشمل أيضاً التزاماً أمريكياً بضمان عدم قيام إسرائيل بأي عمل عسكري من شأنه إعادة إشعال المواجهة.
وتكمن أهمية هذا البند في أنه يمثل، من وجهة النظر الإيرانية، سابقة سياسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت ترفض عادة تقديم أي التزامات مباشرة نيابة عن إسرائيل، مكتفية بتفاهمات عامة أو ترتيبات منفصلة تسمح لتل أبيب بالاحتفاظ بهامش واسع من حرية الحركة العسكرية.
لذلك ترى طهران أن قبول واشنطن بتحمل مسؤولية تنفيذ هذا الالتزام يعكس حجم الضغوط التي فرضتها الحرب الأخيرة، كما يعكس تغيراً في ميزان القوى التفاوضي مقارنة بالمراحل السابقة.
انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران
البند الثاني الذي توليه المصادر الإيرانية أهمية خاصة يتعلق بإعادة انتشار القوات الأمريكية.
فبحسب التسريبات، تتعهد واشنطن بسحب قواتها من المناطق المتاخمة لإيران خلال ثلاثين يوماً من توقيع الاتفاق، وهو ما تعتبره طهران تحولاً استراتيجياً يتجاوز مجرد ترتيبات وقف إطلاق النار.
وتنظر القيادة الإيرانية إلى هذا الالتزام باعتباره اعترافاً عملياً بمطلب أمني لطالما رفعته منذ سنوات، يتمثل في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في جوارها المباشر، والذي كانت تعتبره مصدر تهديد دائم للأمن القومي الإيراني.
احترام السيادة وسلامة الأراضي
وتشدد البنود الخاصة بالسيادة الوطنية على التزام الطرفين باحترام سلامة أراضي كل منهما وعدم استهدافها.
ورغم أن هذا المبدأ يبدو تقليدياً في الاتفاقات الدولية، فإن القراءة الإيرانية تمنحه بعداً سياسياً خاصاً، باعتباره اعترافاً أمريكياً متبادلاً بمبدأ عدم المساس بالأراضي الإيرانية وعدم استهداف البنية السيادية للدولة.
وتحرص طهران على تقديم هذا البند باعتباره انعكاساً لمعادلة ردع جديدة فرضتها التطورات العسكرية الأخيرة.
الفصل بين رفع الحصار وفتح مضيق هرمز
واحدة من أكثر النقاط حساسية في المفاوضات تتعلق بالعلاقة بين رفع الحصار البحري وفتح الملاحة في مضيق هرمز.
وتؤكد المصادر الإيرانية أن المذكرة تفصل بين الملفين بشكل كامل، خلافاً للرؤية الأمريكية التي كانت تسعى إلى ربط تخفيف القيود البحرية بعودة الملاحة الطبيعية في المضيق.
وبموجب الصيغة التي تدافع عنها طهران، يبدأ رفع القيود المفروضة على السفن الإيرانية فور توقيع الاتفاق، على أن تعود حركة الملاحة التجارية الإيرانية إلى مستوياتها السابقة خلال ثلاثين يوماً.
أما ملف مضيق هرمز فيبقى خاضعاً لترتيبات مستقلة ترى إيران أنها تدخل ضمن صلاحياتها السيادية المباشرة.
هرمز.. تكريس الإدارة الإيرانية للمضيق
تكشف المعطيات المسربة أن إيران تسعى إلى تثبيت تفسير خاص لإدارة مضيق هرمز، يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية.
الأول يتعلق بتقاضي رسوم مقابل الخدمات الأمنية والملاحية التي تقدمها السفن الإيرانية داخل المضيق.
أما الثاني فيتمثل في تنظيم حركة الملاحة عبر مسارات محددة تعتبرها طهران الأكثر أمناً.
في حين يرتبط العنصر الثالث بحق السلطات الإيرانية في منع مرور أي سفينة ترى أنها تشكل تهديداً أمنياً أو تحمل مخاطر على الاستقرار في المنطقة.
وتعكس هذه البنود رغبة إيرانية واضحة، في تحويل السيطرة الفعلية التي تمارسها منذ سنوات على المضيق إلى ترتيبات معترف بها ضمنياً في إطار أي اتفاق مستقبلي.
الملف النووي.. مؤجل إلى المرحلة الثانية
على خلاف التوقعات الغربية التي ركزت على الملف النووي باعتباره جوهر المفاوضات، تشير التسريبات الإيرانية إلى أن هذا الملف جرى ترحيله بالكامل تقريباً إلى مرحلة لاحقة.
فبحسب المصادر ذاتها، لا تتضمن المرحلة الأولى أي التزامات نووية عملية من جانب إيران، بل تربط طهران أي نقاش حول برنامجها النووي بتنفيذ واشنطن لجملة من الالتزامات المسبقة.
وتشمل هذه الالتزامات:
وقف الحرب على إيران ولبنان.
الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
رفع الحصار البحري.
تعليق العقوبات النفطية.
تنفيذ الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز وفق الرؤية الإيرانية.
وبذلك تكون طهران قد نجحت – وفق روايتها – في قلب أولويات التفاوض، بحيث انتقلت من موقع الطرف المطلوب منه تقديم تنازلات نووية فورية، إلى موقع يطالب أولاً بمكاسب سياسية واقتصادية وأمنية قبل الدخول في أي نقاش تقني حول البرنامج النووي.
الأموال المجمدة والعقوبات الاقتصادية
اقتصادياً، تنص مذكرة التفاهم وفق التسريبات على الإفراج الفوري عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 12 مليار دولار، تمثل نصف الأموال المشمولة بالمرحلة الأولى، ستصبح متاحة فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
كما يتضمن الاتفاق خطوات مرتبطة بتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وهو ما تعتبره طهران مقدمة ضرورية لإنعاش الاقتصاد الإيراني واستعادة جزء من قدرته على الاندماج في الأسواق الدولية.
ماذا تكشف هذه البنود؟
إذا صحت هذه التسريبات، فإن مذكرة التفاهم لا تبدو مجرد اتفاق لوقف الحرب، بل مشروعاً لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة.
فالولايات المتحدة تسعى أساساً إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة تهدد أمن الطاقة العالمي، بينما تسعى إيران إلى تحويل مكاسبها العسكرية والسياسية خلال الأزمة الأخيرة إلى اعترافات سياسية وأمنية طويلة المدى.
ومن هنا يمكن القول إن جوهر المفاوضات لم يعد يدور حول الملف النووي فقط، بل حول شكل النظام الأمني الجديد في الخليج، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وحدود الدور الإسرائيلي، وآليات إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبينما لا تزال الخلافات قائمة ولم يتم الإعلان عن النص النهائي، فإن ما تسرب حتى الآن يشير إلى أن المفاوضات تجاوزت مرحلة إدارة الأزمة، لتدخل مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية التي قد تحكم الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
Page 1 sur 1




