ملف الساعة
بينهم حائزون على “نوبل”.. 1500 عالم يطالبون بحماية البنية التحتية العلمية لإيران

طهران: علي الموسوي
أعدت مجموعة من الإيرانيين المقيمين في الدول الإسكندنافية، رسالة مفتوحة تطالب بوقف استهداف المنشآت والبنى التحتية العلمية في إيران. وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن هذه الرسالة، حظيت بتأييد واسع ونطاق عالمي من الأوساط العلمية، حيث جمعت حتى الآن نحو 1500 توقيع لشخصيات أكاديمية وبحثية بارزة من مختلف أنحاء العالم. وبرز من بين الموقعين على الرسالة عالمان حائزان على جائزة نوبل من النرويج، وفيزيائي بريطاني بارز، إلى جانب أحد زملاء العالم النووي الإيراني الشهيد الدكتور علي محمدي. ويأتي هذا التحرك للاحتجاج على الأضرار التي لحقت بالمراكز العلمية، والجامعية والبحثية الإيرانية جراء التطورات الأمنية الأخيرة.
وأكد القائمون على هذه الحملة أنه لا ينبغي للمجتمع الدولي الصمت إزاء تدمير البنى التحتية العلمية لأي دولة. واقترح منظمو الحملة الاستشهاد بنص هذه الرسالة والاعتماد عليها في المحافل الدولية الرسمية، مثل منظمة اليونسكو والمنظمات الحقوقية.
يمكن قراءة هذه الرسالة، حسب محللين، باعتبارها مؤشراً على تحوّل مهم في طبيعة النظرة الدولية إلى الحرب التي دارت مدة أربعين يوماً ضد إيران. فالحرب لم تعد تُقرأ فقط بوصفها مواجهة عسكرية أو أمنية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل كصراع امتد إلى استهداف البنية المعرفية والعلمية للدولة الإيرانية نفسها. إن دخول علماء غربيين، بينهم شخصيات أكاديمية مرموقة من أوروبا، على خط الاحتجاج ضد استهداف الجامعات والمراكز البحثية الإيرانية، يكشف عن قلق متزايد داخل الأوساط العلمية الدولية من أن تتحول الحروب الحديثة إلى أدوات لتدمير “القدرة الحضارية” للدول، وليس فقط قدراتها العسكرية.
وهنا تكمن خطورة الرسالة. فالذي تعرضت له إيران خلال الحرب الأخيرة – وفق الرواية الإيرانية وحملات التضامن الأكاديمية – لم يكن مجرد ضربات موجهة لمنشآت ذات طابع استراتيجي، بل مساساً بمختبرات وجامعات ومراكز أبحاث، أي بالبنية التي تنتج المعرفة والتكنولوجيا والكوادر العلمية.
وهذا يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية استخدمت فيها القوة العسكرية لإبطاء أو تحطيم المسار العلمي لدول معينة، كما حدث مع العراق بعد 2003، حين تعرض العلماء العراقيون للتصفية أو التهجير، ما أدى إلى انهيار جزء كبير من النخبة العلمية العراقية. في السياق الإيراني، تبدو المسألة أكثر حساسية، لأن الجمهورية الإسلامية بنت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من مشروعها الاستراتيجي على الاكتفاء العلمي والتكنولوجي، في ظل العقوبات الغربية الطويلة. ولذلك فإن أي استهداف للبنية التحتية العلمية يُنظر إليه في طهران باعتباره محاولة لضرب “الاستقلال السيادي” لإيران، وليس فقط تعطيل برنامج عسكري أو نووي.
ومن زاوية أخرى، فإن الرسالة تحمل بعداً أخلاقياً وسياسياً في آن واحد. فحين يطالب علماء غربيون بحماية المؤسسات العلمية الإيرانية، فإنهم يوجهون ضمناً انتقاداً لفكرة “الحرب المفتوحة على المعرفة”، أي تحويل الجامعات ومراكز البحث إلى أهداف مشروعة تحت ذرائع أمنية. وهذا يضع منظمات دولية مثل اليونسكو أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للمجتمع الدولي أن يقبل بتدمير البنية العلمية لدولة ما تحت منطق الصراع الجيوسياسي؟ الرسالة تكشف أيضاً عن نقطة مهمة في الحرب الأخيرة: إيران، رغم العزلة السياسية المفروضة عليها غربياً، لا تزال تمتلك حضوراً داخل شبكات البحث العلمي العالمية. فوجود حائزين على نوبل وأكاديميين أوروبيين بين الموقعين يعني أن الملف الإيراني لم يعد يُختزل بالكامل في الخطاب الأمني الغربي التقليدي، بل بدأت تظهر أصوات تفصل بين الخلاف السياسي مع النظام الإيراني وبين حق المجتمع الإيراني في الحفاظ على مؤسساته العلمية والتعليمية. ومن الناحية الإعلامية، فإن طهران تدرك أهمية هذا النوع من الرسائل. فهي تمنحها مادة دعائية قوية لتقديم نفسها كضحية “حرب على العلم”، وليس فقط طرفاً في نزاع عسكري. كما تسمح لها بنقل المعركة إلى مستوى أخلاقي وثقافي، حيث يصبح السؤال: هل المطلوب احتواء إيران سياسياً، أم منعها من التحول إلى قوة علمية مستقلة؟ الحرب التي استمرت أربعين يوماً أظهرت، وفق كثير من المراقبين، أن المواجهة مع إيران تجاوزت الحسابات العسكرية التقليدية، لتصبح معركة استنزاف متعددة الأبعاد: اقتصادية، استخباراتية، سيبرانية، وإعلامية، وأيضاً علمية. لذلك فإن رسالة الـ1500 عالم يمكن فهمها بوصفها محاولة لرسم “خط أحمر أكاديمي” يمنع انزلاق الصراعات الدولية نحو تدمير شامل للبنية المعرفية للدول. وربما الأهم في كل ذلك، أن هذه الرسالة تعكس خوفاً متنامياً داخل المجتمع العلمي العالمي من أن يصبح العلماء والجامعات رهائن للصراعات الجيوسياسية الكبرى. فحين تُقصف المختبرات أو يُستهدف الباحثون، لا تخسر دولة واحدة فقط، بل تتضرر أيضاً فكرة العلم باعتباره إرثاً إنسانياً عابراً للحدود.




