الهندسة الشيطانية للوعي: حين تستهدف الأسرة لتسقط الأمة

عبد الحميد كناكري خوجة
كاتب ومفكر سوري
”من الهندسة السايكولوجية السوداء و تفكيك القيم على مهل، إلى العائلة تحت النار وتراجيديا كسر المجتمع جيلا بعد جيل”.
أكتب هذا النص بدافع الغيرة لا الادعاء، وبحرص يتقدم القلم ولا يلحقه. أكتبه لأنني أرى المجتمعات تستنزف من داخلها، لا عبر الاجتياح العسكري الصريح، بل عبر اجتياح أخطر وأعمق: اجتياح الوعي. وتحديدا وعي العائلة بوصفها الخلية الأولى، والحصن الأخير، والمرآة الصادقة لصحة المجتمع أو علته. وحين أكتب، فإنما أطلق صيحة تحسيس، لأن الصمت في هذا المقام تواطؤ أخلاقي، وتخل فادح عن المسؤولية. ما نشهده اليوم هو هندسة خبيثة للوعي، قائمة على تلاعب سايكولوجي منهجي، تتقاطع فيه مصالح العدو مع أزلام الظل في حكومة الطاغوت الأكبر، ومع نفاق غربي بارع في تسويق السم في قالب الحلوى. تستهدف العائلة عبر إعادة تعريف مفاهيمها الجوهرية: يشيطن الصبر، تفرغ المودة من معناها، وتقدم الفردانية المتوحشة على أنها تحرر، بينما هي في حقيقتها عزلة مقنعة، وانكسار طويل الأمد، وقطيعة مع الفطرة. تضخم الخلافات الزوجية الطبيعة، ويدفع بها نحو الإنفجار بدل المعالجة، حتى تحول الطلاق والمخالعة إلى سلوك اعتيادي لا آخر الحلول. والنتيجة تراجيدية بامتياز: بيوت مهدمة، أبناء وبنات مشردون نفسيا، هشاشة عاطفية، ارتباك هوياتي، وتفكك قيمي يفتح الأبواب أمام الانحراف والاستلاب والتبعية.
وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة العبث ببنية الأسرة، فقال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). وقال جا جلاله أيضا: ( ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا). صدق الله العظيم. فالسكن مقصد، والمودة منهج، والرحمة صمام أمان لا شعارات قابلة للتفكيك. إن حماية العائلة اليوم ليست خطابا محافظا، بل فعل مقاومة واع. وأمنا مجتمعيا بامتياز. فمن كسر البيت يبدأ كسر المجتمع، وحين تسقط الأسرة، تسقط الأمة بصمت، وبلا حرب معلنة.
ومن باب التذكير ورد العرفان، لقد نقشت حكمة لأمة مسلمة وبلد بالمسك والعنبر والزعفران، ودافعت دوما عن المظلومين وعن قدس الأقداس ومسجد الإسراء والمعراج المكرم في القرآن الكريم وأعلنت يوما عالميا للقدس الشريف وأخرى لتكريم المساجد. لتذكرنا كشعوب عربية وغير عربية كمسلمين، بضرورة التمسك بالوحدة والهوية، وبأهمية اليقظة أمام مكائد عدونا المحتل الكائد التي تحاول زعزعة ركائز الأمة من خلال إضعاف بنيتها التربوية والأخلاقية فلهذه الأسباب ولغيرها من أسباب كثيرة لاي سع الوقت لذكرها جميعا وجدت من الواجب الأخلاقي والضميري والوجداني والاجتماعي توجيه باقة تقدير لهذه الدولة وإشعارا بالحكمة والوعي ودعوة للتعقل واليقظة أمام دسائس تهدف إلى تفكيك مجتمعاتنا وإضعاف منظوماتنا القيمية وتمييع الثقافة والأجيال الذين هم أمانة في أعناقنا كلفنا الله سبحانه بها.




