العالم
المقترح الأمريكي في مجلس الأمن: انفراج سياسي أم إعادة إنتاج للأزمة؟

المستشار د. أحمد يوسف
لم يمرّ التصويت الأخير في مجلس الأمن على المقترح الأمريكي المتعلق بوقف إطلاق النار في غزة وملامح “التسوية” المقبلة دون ضجيج سياسي واسع. فمن جهة، قُدّم القرار على أنه انفراجة دولية جديدة قد تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وإنسانية عاجلة، وتعيد الحديث عن “مسار الدولة الفلسطينية”.
ومن جهة أخرى، انطلقت موجة من التحليلات التي ترى في القرار مجرد محاولة تجميلية لغسل الضمير الغربي، ومحاولة لإعادة صياغة الأزمة الفلسطينية بما يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية بقوالب سياسية أكثر نعومة. وقد التقطت صحيفة الجارديان البريطانية خيوط هذا الجدل في افتتاحيتها الأخيرة، مقدمة وصفًا قاتمًا للواقع الإنساني والسياسي في غزة، ومحذرة من أن المقترح الأمريكي لا يقدم ما يشبه طريقًا حقيقيًا نحو التحرر والاستقلال، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الأزمة. مشهد إنساني لا يحتمل التأجيل ذكّرت افتتاحية الجارديان بأن إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول لم يحمل سوى راحة أولية؛ فالضربات الإسرائيلية – كما قالت – استمرت، وحصدت عشرات الأرواح خلال أيام قليلة، بينهم أطفال ونساء. كما أشارت إلى أن المئات قُتلوا منذ إعلان الهدنة، وأن الدمار المستمر والخنق المتواصل للمساعدات يكشفان أن الكارثة الفلسطينية مرشحة للاستمرار “لأجيال”، وفق تحذير منظمة الصحة العالمية. وفي حين ترتجف آلاف العائلات في ملاجئ مؤقتة أُغرقت بالأمطار، تعترف منظمات الإغاثة بعدم قدرتها على إدخال الخيام والقماش المشمع بسبب القيود الإسرائيلية التي تصنف مواد الإيواء على أنها “ذات استخدام مزدوج”. الأطفال – بحسب منظمة إنقاذ الطفولة – ينامون على الأرض الموحلة بملابس مبللة بمياه الصرف الصحي. خطة أمريكية برؤية استعمارية؟ الافتتاحية كشفت أيضًا عن ملامح خطة أمريكية لتقسيم غزة إلى “منطقة خضراء” تحت إدارة إسرائيلية–دولية، يمكن إعادة تطويرها، وأخرى “حمراء” تُترك على حالها المدمر. هذه الرؤية، كما قالت الصحيفة، تكرّر تجارب كارثية طبقتها واشنطن في العراق وأفغانستان، حيث تُفرض ترتيبات أمنية فوقية لا تبني دولًا ولا تحقق استقرارًا، بل تنتج “سلامًا مراقبًا” يستبقي جذور الصراع.
وما اعتبرته الجارديان “الجذع السياسي” للمقترح الأمريكي يقوم على إنشاء “مجلس سلام” أشبه بسلطة استعمارية يشرف عليها دونالد ترامب، وقد يستند – بشكل أو بآخر – إلى شخصية مثل توني بلير. يعمل تحت هذا المجلس تكنوقراط فلسطينيون “مقبولون” لدى واشنطن وتل أبيب، ويُنتظر من قوة دولية – تأمل الولايات المتحدة نشرها مطلع العام المقبل – أن تتولى مهمة فرض الاستقرار. دولة فلسطينية على الورق؟ رغم تضمين القرار إشارات إلى دولة فلسطينية وانسحاب إسرائيلي، إلا أنّ الصياغات جاءت – بحسب الصحيفة – “غامضة جدًا”، كأنها مكافأة مشروطة على حسن السلوك، لا اعترافًا بحق غير قابل للتصرف. فالانسحاب الإسرائيلي، وفق النص، سيعتمد على “معايير وأطر زمنية” يُتوقع أن توافق عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قبل غيرها، ما يجعل قيام الدولة الفلسطينية احتمالًا مؤجلًا ومُعلّقًا على إرادة الاحتلال نفسه. وبذلك، تبدو الدول التي صوّتت لصالح القرار وكأنها تدعم ما “قد يعنيه” النص، لا ما يعنيه بالفعل، في محاولة لتأجيل البتّ في الحقيقة الصعبة: أن المقترح لا يقترب من جوهر القضية الفلسطينية، ولا يعالج جذور الصراع، بل يضع غطاءً جديدًا على واقع الاحتلال. واقعية سياسية أم تجميل للفشل الأخلاقي؟ تذهب بعض الحكومات إلى أن هذا هو “أفضل الممكن” في ظل رئاسة دونالد ترامب وميزان القوى القائم. ويرى آخرون أن البداية غير المطمئنة قد تُستثمر لاحقًا لصياغة إطار أفضل وأكثر توازنًا. لكن الجارديان تميل إلى استنتاج مغاير: فبالنسبة لعدد من الدول، يتعلق الأمر أكثر بتهدئة الضمير وغسل السمعة، وليس بمصلحة الفلسطينيين. والدليل – كما أشارت – إعلان ألمانيا استئناف صادرات السلاح لإسرائيل مباشرة بعد التصويت. ويستحضر عالم السياسة ناثان براون تحذيرًا عميقًا حين يكتب: “ما بدا وكأنه حرب أبدية قد يتحول إلى بؤس أبدي”، إذا استمرت الإدارة الدولية للأزمة على هذا النحو دون إرادة حقيقية لفرض حل عادل. الفلسطينيون… بين شكوك مشروعة ورغبة في الخلاص الفلسطينيون الذين خبروا وعود المجتمع الدولي على مدار عقود يتعاملون مع المقترح الأمريكي بحذر شديد. فالكثيرون يرون فيه محاولة لتثبيت واقع التقسيم والاحتواء، وتأجيل الحديث عن الحقوق الكبرى: الدولة، السيادة، العودة، وإنهاء الاحتلال.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن اشتداد الخناق الإنساني وامتداد الحرب لسنوات يجعل أي بارقة أمل موضع نقاش. لكن الأمل وحده لا يكفي. فلا يمكن بناء سلام على قواعد هشة، ولا يمكن تسويق حلول مؤقتة كأنها مداخل لتحرير مؤجل، بينما تتآكل الأرض وتتعمق المأساة. خلاصة القول المقترح الأمريكي الذي مرّ في مجلس الأمن ليس خطوة تاريخية نحو إنهاء الصراع، بقدر ما هو محاولة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب بمعايير أمنية وسياسية غير متوازنة. إنه يُعيد تدوير الأزمة بطرق جديدة، ويمنح الاحتلال هامشًا واسعًا لتحديد معايير الانسحاب، ويفرض على الفلسطينيين ترتيبات لا تستجيب لطموحاتهم الوطنية.
إن المطلوب اليوم ليس “تحسين إدارة الصراع”، بل الاعتراف الجاد بحقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، والضغط الحقيقي نحو إنهاء الاحتلال، وإعادة إعمار غزة بصورة تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني ومستقبله. وكل ما دون ذلك سيبقى مجرد حركة في المكان، تُرحّل الألم ولا تُنهيه.




