“القشابية” بلمسات عصريّة تستهوي الشباب الجزائري

عبد الحميد بريجة
تُعرف الجزائر بتنوُّع لباسها من خلال تنوُّعها الجغرافي، من منطقة إلى أخرى وأيضا باختلاف المناسبات والفصول. وتُعرف الجزائر بتنوُّع مناخها مسابقة لتنوُّعها الجغرافي، من صحراء، وتل، وهضاب.
لهذا الاختلاف عمد أجدادنا الجزائريون إلى اعتماد طرق متعدّدة في التأقلم مع البرد مثلا الذي يظهر في المناطق شبه الصّحراوية والذي كان له أجدادنا بالمرصاد من خلال خياطة القشابية.
هذا اللباس الجزائري الأصيل الذي خرج من مسعد بالجلفة ونواحيها وأصبح ضروريا في مناطق الجزائر كلها لما له من خاصيات عديدة ألا وهي مقاومة البرد وخفّة الوزن بما أنه من وبر الصوف. ليس هذا فقط، فخياطته تحوي على رموز محلية جعلت منه جزائريا بامتياز كيف لا وهو صديق الجزائري في أيام القمر التي تعرفها هذه المناطق الباردة جدا كالبيض والجلفة وأفلو والتي تعرف أيضا سقوط الثلوج الأمطار وموجات الصقيع.
في بوسعادة مثلا هنالك “سليم”، وهو حرفيٌّ يصنع القشابية الحديثة (القشابية المعطف) أي التي كان استحداثها بهذه اللمسة الجميلة يجد استقطابا كبيرا، أولا للحفاظ على التراث وتوسيع رقعة استعماله على نطاق أكبر وأيضا إتاحة الفرصة للشباب من أجل لبس القشابية (المعطف فقط) في اليوميات أكثر فأكثر وهو الذي كان سهلا على كثير من الشباب الذي لا يفضل القشابية الطويلة.
“الكبوط”، أيضا هو اسم مغاير للقشابية التي تستعمل في مناطق أخرى من الجزائر أو في الغرب الجزائري يستعمل اسم الجلابة. فخامة القشابية تظهر في سعرها الغالب الذي يعكس قيمتها الحقيقية سواء من حيث طرق طرزها والمواد المستعملة ألا وهي الوبر والصوف وأيضا مقاومتها للبرد الشديد.
“سليم” بعلامته التي أسستها الأنامل الجزائرية في صناعة القشابية كمعطف جعلت الشباب يتهاتف على القشابية بما أن الحفاظ على التراث الجزائري حاليا أصبح فرض عين وبرّر لنا رواج “الكبوط” بإمكانية استعماله بسهولة بما أنه أصبح يعتبر معطفا تقليديا مستلهما من تراثنا القديم.
بألوان مختلفة ورموز محلية وإتقان في نسج تلك الحيثيات الجزائرية التي تعرفها بوسعادة، مدينة السعادة عفوا، ذلك الشعور الجميل نستشعره ونحن نلبس تلك القطعة الجميلة الساحرة التي تمّت خياطتها بكثير من التفنن أيضا كيف لا وهي تعكس موروثا حضاريا جزائريا قحًّا. في بوسعادة والجلفة يعرفون أنّ القشابية تلبس من الرأس، وأنّ المجاهدين الجزائريين في مقاومتهم للمستعمر كانوا يلبسونها كسلاح للبرد، وكلُّها تفاصيل جزائرية.
وتحدّثت عنها عديد المصادر والمستشرقين، كما تحدّث عنها العلّامة عبد الرحمن بن خلدون (1332/ 1406م)، وهي جزائرية حسب كلّ المصادر، ويقال إن انطلاقتها كانت من الهضاب العليا في سطيف، وأيضا في منطقة القبائل بالجزائر. وتأتي بعض المصادر على أنّ تسميتها تنسب إلى كلمة أجنبية تعني المعطف أصلا ولكن تمّ تطويرها من طرف سكان الجلفة القدماء، وقيل في مصادر أخرى إنّ القشابية تعني الوبر، وهذه كلها ومصادر أخرى، تؤكد بلا أدنى شك أنها جزائرية النور والصناعة والملبس، إضافة إلى هذا كانت ولا تزال بلادنا تعرف بوفرتها في ما يخصُّ الجلود بكلّ أنواعها بما فيها الوبر الذي يأتي من الجمال ومعروفٌ أنّ الأمازيغ الجزائريين أبدعوا في صناعة ملابسهم وأبدعوا في استعمال الرموز المحلية سواء من نباتات أو حيوانات، وحتى رموز تعود إلى لغتهم القديمة. وجزائرية أيضا لأنها حمراء تسرُّ الناظرين وهذه القشابية بهذا اللّون هي حكر على الجزائريين، خاصة دون غيرهم من البلدان وذلك لأنّ الجلابة كما قال البعض إنها كلمة عربية، لكن القشابية الحمراء هي كلمة واستعمال أمازيغي خالص كان في وسط الجزائر أولا ثم تمّ تعميمه على باقي المناطق من بلادنا الحبيبة.





