صوت وصورة
القشابية الجزائرية تتحدّى أكبر الماركات العالمية

بلال سناء
مع حلول فصل الشتاء يجد الكثير من الجزائريين وعلى اختلاف مستوياتهم المعيشية، ضالتهم في ارتداء أحد الألبسة التقليدية التي مازال المجتمع الجزائري محافظا عليها، وإذ تحدثنا عن اللباس التقليدي خاصةً عند الرجال لابد أن نتطرق الى ” القشابية” إذ يكاد لا يخلو بيت جزائري من هذا المعطف الوبري الذي يرتديه الشباب والرجال لمواجهة الصقيع والبرد القارص ورغم ميل الكثير من الشباب الجزائري اليوم إلى الملابس الأوروبية إلا أن الملابس التقليدية المحلية خصوصاً الشتوية منها لا تزال الأكثر انتشاراً بالنسبة للرجال.
القشابية لباس تقليدي عريق له مكانة هامة في المجتمع الجزائري
القشابية لباس تقليدي عريق يحتل مكانة هامة في المجتمع الجزائري وهو عبارة عن عباءة ثقيلة مصنوعة من وبر الإبل والصوف مع غطاء للرأس، وهي تصنع عبر” المنسج” التقليدي الذي تحتفظ به بعض العائلات والحرفيين، وتعد “القشابية” من الأزياء المميزة في مناطق أعالي الجبال، حيث تنخفض درجات الحرارة وتتساقط الثلوج بكثافة خاصة في مناطق “الجلفة والاغواط وغرداية” تبدأ مراحل حياكة “القشابية” بانتقاء وتنقية وغسل الوبر أو الصوف، ثم التجفيف والغزل لاستخراج خيوط النسيج يليهما الحياكة والصباغة بين ألوان الأسود والأبيض والبني، تمر عملية نسيج لباس القشابية على عدة مراحل تستغرق في الغالب وقتا طويلاً قد يصل إلى سنة كاملة في بعض الأحيان، عملية صناعة هذا الزي التقليدي الرجالي تبدأ بمرحلة جمع الوبر وتكون عبر جز وبر الجمل حيا او ميتا، ولكي يتم الحصول على “قشابية” ذات جودة عالية يتم جز وبر” العقيقة” وهو من صغار الإبل، بعد عملية جمع الوبر التي تستغرق بضعة أشهر والتي يقوم بها الرجال، تأتي مرحلة تصفية الوبر ثم عزله، ومن هنا تبدأ وظيفة النساء في عملية الغزل التي تتطلب أدوات خاصة هي “القرداش” و” المغزل” وتنتهي عند تحويل الوبر إلى خيوط ذات لون “بني ذهبي” ثم تأتي عملية نسج القشابية وهنا يعود الرجل لأداء هذه المهمة ويستغرق النسج شهرا كاملاً للقطعة الواحدة باستعمال “المنسج” و”الخشبة” و”الخلالة” و”الاوتاد” لا مجال للمبالغة إذ قيل ان لباس “القشابية” هو اغلى لباس عربي رجالي، كونه مصنوع من وبر” الجمل الصغير” إذ يمتاز وبر هذا الجمل الصغير بمحافظته على الحرارة، إذ يتراوح سعرها ما بين 10 إلى 20 مليون سنتيم وتنخفض الأسعار تماشياً مع نوع الوبر الذي صنعت منه.
رمزية القشابية عند الجزائريين.. كانت الزي المفضل للمجاهدين خلال الثورة
مكانة القشابية ورمزيتها عند الجزائريين جاءت من خلال ارتباطها بمرحلة تاريخية مهمة من ذاكرة الجزائريين، وإن كان لا يعرف تاريخ محدد لظهور هذا الزي التقليدي الرجالي، إلا أن الكثير يربط ظهوره بفترة الاستعمار الفرنسي الممتد من عام 1830حتى 1962 وخلال تلك الفترة برزت القشابية بصفتها الثورية وارتبط لباس “القشابية” بالثورة التحريرية بالأساس، وخلالها كان الزي الرسمي للمجاهدين خصوصاً في جبال الأوراس والصحراء، حيث استعان به المجاهدون لمقاومة البرد القارس في الشتاء، خصوصاً أنهم كانوا مجبرين على المكوث في الجبال والكهوف لأشهر عديدة، لم تقتصر مهمة “القشابية” على وقاية المجاهدين الجزائريين من البرد فقط، بل كانت مشاركتها في الثورة التحريرية حاسمة، فقد كانت “القشابية” بمثابة مخبأ متنقل للأسلحة، يخبئ فيها المجاهدين تحتها أسلحتهم، كما يمكن للمجاهدين من إخفاء وجوههم أثناء العمليات، ارتبطت “القشابية” ارتباطا وثيقا بالثورة التحريرية وبقيت لحد الآن رمزا ثقافياً جزائريا يتحدى صيحات الموضة الحديثة.
السيد أحمد حرفي من ولاية الجلفة: “نعاني من ندرة المادة الأولية”
تشتهر عدة مدن جزائرية بصناعة “القشابية” على غرار الجلفة وبسكرة والمدية وغرداية والمسيلة نتيجة لبرودة الطقس التي تميز هذه المناطق وكثرة تساقط الأمطار، وبصفتها مناطق رعوية إذ يصنع هذا اللباس من وبر الجمال او صوف الغنم.
وفي هذا السياق، كان لنا لقاء مع السيد أحمد حرفي من ولاية الجلفة وبالتحديد من مدينة” مسعد” للألبسة التقليدية خاصةً “القشابية” حيث تحدث السيد أحمد خلال حديثه معنا أنه ورث هذه الحرفة من والده الذي كان يصنع البرنوس والقشابية التقليدية إلا انه يوضح انه أدخل بعض العصرنة في هذه الحرفة، مشيراً إلى أنه شارك في العديد من المعارض منها الصالون الدولي للسياحة والاسفار الذي يعد فرصة لتعزيز الوجهة السياحية الجزائرية، كذلك يضيف انه كانت له مشاركات أخرى خارج الوطن كأوروبا وآسيا وافريقيا موضحاً ان هذه الحرفة لاقت رواجاً واقبالا كبيراً خاصة من طرف الأوروبيين اين وجدوه لباس يقي من برودة الطقس كما انه بضيف أناقة لصاحبه، كما أضاف السيد أحمد أن يلقى صعوبة في إقتناء المادة الأولية نتيجة لندرتها واصبح هذا الأمر مكلف جدا في صناعتها موضحاً انه يتأسف لوجود دخلاء في هذه الحرفة الذين يقومون بجلب بعض المنتجات المقلدة من الصين ليست معروفة من أي مادة صنعت، لهذا يحذر ذات المتحدث الزبون من أخذ الحيطة والحذر خلال إقتناء القشابية، كما أشار الى بعض المعايير التي يمكن من خلالها إدراك جودة الوبر التي قد تساعد الزبون على التحقيق من جودتها فعند إشعال النار في صوف الوبر الحقيقي يحترق ويتحول إلى غبار أما الوبر المزيف والمصنوع من البلاستيك فإنه” يتكمش” وعن سبب غلاء هذا المنتوج ذكر ذات المتحدث أن هذا المنتوج باهض الثمن على المواطن البسيط وهذا راجع لأسباب أبرزها أن عمل “القشابية” الواحدة يتطلب مدة زمنية طويلة تصل حوالي 6 أشهر تتعاون على العمل فيه امرأتين، ثانياً من يشتغل في هذه الحرفة هن نساء ماكثات في البيت تقدم لهم ورشات مفتوحة اما السبب الثالث هو مشكل إقتناء المادة الأولية، كما أشار السيد أحمد خلال حديثه على أهمية أن يتوارث هذه الحرفة جيلا بعد جيل لأن صناعة “القشابية” تحتل قيمة عالية في التراث الجزائري الأصيل وفي نفس الوقت فإن هذه الحرفة تساعد المرأة على كسب دخل إضافي لمنزلها كون أن العمل لا يحدد بدوام معين، وفي الأخير قدم السيد أحمد رسالة للشباب الجزائري للحفاظ على هذا الموروث الجزائري الذي تزخر به بلادنا خاصه وأن لكل منطقة جزائرية إرث يمثلها، جيلا بعد جيل لأن صناعة “القشابية” تحتل قيمة عالية في التراث الجزائري الأصيل وفي نفس الوقت فإن هذه الحرفة تساعد المرأة على كسب دخل إضافي لمنزلها كون أن العمل لا يحدد بدوام معين، وفي الأخير قدم السيد أحمد رسالة للشباب الجزائري للحفاظ على هذا الموروث الجزائري الذي تزخر به بلادنا خاصه وأن لكل منطقة جزائرية إرث يمثلها.
القشابية والبرنوس أزياء تقليدية جزائرية تصارع من أجل البقاء
يرى العديد من الحرفيين في صناعة الألبسة التقليدية خاصة القشابية والبرنوس بأن سر القشابية والبرنوس الوبري يتمثل أولا في مادتهما الأولية المحلية كصوف النعاج ووبر الإبل وذلك نظراً لخصوصياتهما المميزة لأن سلالة هذه الحيوانات نادرة في عدد من الدول العربية بينما تتواجد في ربوع التراب الجزائري وصوفها أو وبرها يساعد على نسج هذه المنتوجات، وثانيا في طريقة النسج اليدوي المتقن ولذلك فإن أي مسعى للخروج عن هذا الطابع سيفقد الزي مميزاته وخصوصياته التي اشتهر بها، وأرجع هؤلاء غلاء أسعار المنتوج إلى إرتفاع المواد الأولية لصوف النعاج ووبر الإبل، كما يعاني الحرفيون المنتجون للبرنوس والقشابية في الجزائر اليوم من منافسة غير متكافئة من المنتجات المقلدة أو تلك المستوردة من الدول الآسيوية حيث غزا المنتوج الصيني الأسواق المحلية وصارت ينافسهم في عقر ديارهم وهو ما أثر على مردودهم وإنتاجهم، ويتطلب نسج القشابية والبرنوس الوبري نشاطاً فنيا وابداعيا يتطلب مهارة ودقة , فهو يرتكز على الاتقان والإبداع في اختيار ووضع الأشكال والرموز التي تزين القطعة المنجزة من الوبر أو الصوف، فاللمسة البارزة تتطلب وقتاً وجهدا طويلين ينالان من أعصاب وجهد الحرفي، ولذلك يستهلك نسج القشابية والبرنوس وقتا معتبرا يصل إلى عدة أشهر بحسب بعض الحرفيين، ويبقى عامل السعر أهم عائق أمام إنتشار إستعمال هذا الزي والإقبال عليه.
وعلى بساطة إنجازه ونسجه يبقى زيا نخبويا لا يقدر عليه إلا ميسوري الحال وهذا ما يفتح المجال للمنافسة من طرف المنتجات المقلدة أو المستوردة.




