“القالوفة”.. روايةٌ عن مهمّش يكتب تاريخه

تدور أحداث رواية “القالوفة” (منشورات الربيع/ مصر)، للروائي الجزائري عبد الباسط باني، في مدينةٍ تتآكلها الرطوبة والعنف والذكريات المدفونة (مدينة عين الدفلى)، وتختلط فيها رائحة المجاري بصوت المآذن، ويظهر مبارك اللعين كأحد أكثر أبناء هذا المكان غرابةً ووحشية. ليس لأنه شرير، بل لأنّ ولادته لم تكن قدرًا بل فضيحة. رضع من قسوة الشوارع قبل أن يرضع من صدر أمٍّ اسمها نعيمة الحراشي، عاهرة كانت تتنقّل بين الأزقة الخلفية، تُغرق الرجال في ليلها وتترك طفلها في كيس قمامة، حيث وجده كلب مشرّد قبل أن يجده بشر. المدينة التي تتباهى بشعارات الأخلاق دفنت أصله، لكنها لم تستطع إخماد صوته ولا جرحه. كبر مبارك في شقّة ضيقة، ساقٌ بلاستيكية تذكّره بمحاولة انتحار فاشلة، ونفسٌ متخمة بالغضب والازدراء لكلّ ما يولد ويتكاثر. هو موظف بلدية بسيط، ينظّف الحدائق ويعلّق اللافتات، لكنه يحمل في داخله رواية لا يستطيع أحدٌ غيره كتابتها؛ رواية تعجن الألم، والقمامة، والسادية، والفلسفة العدمية، والنكات السوداء في قالب واحد وفلسفة عبثية تستمد ركائزها من اللاإنجابية.
ويُعلّق الروائيُّ، عبد الباسط باني، في حديث لموقع “24 ساعة”، بالقول “حقد البطل على النساء لم يبدأ مع امرأة، بل مع غيابها. مع نعيمة التي تركته ليموت، ثم تُركت هي لتتعفّن في قبر لا يزوره أحد. حين يرى امرأةً تحمل طفلًا وتتقدّم للحصول على شهادة طلاق، يرى فيها شبح أمّه، ويرى في الطفل نسخة منه قبل أن يُرمى في القمامة. في تلك اللحظة، ينفجر داخله شيء قديم، شيء كان ينتظر شرارة ليشتعل من جديد، ليكتب رواية القالوفة بفلسفة كلبية تستحضر فلسفة “ديوجين “، وزهد وتصوف “التوحيدي”، وعدمية “سيوران”. مبارك ليس وحده في هذا الجحيم؛ هناك عبد القادر صابونة، الإرهابي السابق ورئيس البلدية الحالي، الشخصية التي تمثل رمزا للفساد وكيف يصعد الطغاة إلى السلطة وتفضح ألاعيبهم وتكشف الستار عن الكواليس القذرة التي تدار خلفها لعبة السياسة”.
عبد القادر صابونة أخذ اسمه من كلبة عضتة في مغارة الجبل. وسببت له تلك الحادثة عقدة تطارده كل عمره، عقدة عجز أن يداريها فحاول فكها عن طريق إذلاله للمواطنين، رجلٌ أفرغت منه الحرب رجولته وملأت صدره خوفًا قذرًا يُداريه بعطور نسائية. بينه وبين مبارك علاقة معقّدة من السادية والإهانة، يتلذّذ مبارك بتمزيقها كما يمزّق آذان القطط بالكلّابة التي يخفيها دائمًا في جيبه. وفي زاوية أخرى من المدينة يمشي الملياني، المشرد المخبول، الذي ينبش القبور ويجمع الكتب ويمضغ الذكريات. هو من يحفر قبر نعيمة ليستخرج أسنانها ويقدّمها لمبارك كأنها ميراث أمّ لابنها. الملياني هو ظل مبارك، مرآته المشروخة، والكاتب السرّي الذي يظهر حين تتوقف الكلمات وتتقيّأ المدينة أسرارها. كل شيء يتغيّر حين يجد مبارك مخطوطًا غامضًا بعنوان “القالوفة”، كتاب مكتوب بخطّ هشّ، لكنه يعرف كل شيء عنه: طفولته، ساقه البلاستيكية، ساديته، عبد القادر، الملياني، وحتى الناقد الذي أجبره مبارك يومًا على أكل كبد كلبه، وكأن شخصًا ما كان يتتبّعه من داخل جمجمته. يبدأ مبارك في تعديل المخطوط، يمزّق، يضيف، ينتقم، ثم يكتب فصلًا بعنوان “مبارك الحنون” ليزيّن صورته التي لوّثها العالم. لكن كلّما كتب، زاد الشك: هل هو الكاتب أم الشخصية؟ هل المخطوط يعيد كتابته أم يبتلعه؟
في هذه الرواية، تتقاطع سير ضحايا الإرهاب مع نتف من ذاكرة مدينة جريحة، حيث الناجي ليس أقوى بل الأقدر على حمل نجاسته دون أن يموت تحتها.
“القالوفة”، ليست رواية عن القسوة فقط، بل عن الجرح الذي يتحوّل إلى لغة، وعن المهمّش الذي يكتب تاريخه بنفس السكين التي جُرح بها. إنها صرخة شخصٍ يؤمن أن العالم مقبرة، وأن الناجين ليسوا إلا أشباحًا تعلمت كيف تمشي دون أن تصرخ. صرخة ابن عاهرة، كاتب، مشوه، وواعٍ بقدر ما هو محطم. صرخة مبارك اللعين، الذي وجد في القمامة أول حياة، وفي الكتابة آخر نجاة. “القالوفة”، ليست رواية عن العنف فقط، بل عن الألم كمنبع للكتابة، والنباح كأول موسيقى يسمعها الإنسان، والأم الغائبة كجرح مؤسس، والمجتمع القاسي الذي يصنع الوحوش ثم يخاف منها، والعدمية والسادية كفلسفة بقايا البشر، والكتابة كفعل انتقام مقدس. الرواية هي سيرة ذاتية مقلوبة، يرويها كائن خرج من تحت ركام القمامة ليصير كاتبًا؛ كاتبًا لا يريد قرّاء، بل يريد أن يجرّ العالم إلى الحفرة التي خرج منها.




