سياسة
الفصيل أم الوطن؟ قراءة نقدية في جدلية الانتماء السياسي

بقلم: شريف الهركلي
أثار مقطع مصور متداول نقاشاً واسعاً حول أولوية الانتماء السياسي، عندما طُرحت فكرة مفادها أن الفصيل أهم من الوطن والمواطن، وأن «الفصيل هو الأصل والباقي تفاصيل». وهي مقولة تستحق التوقف عندها ملياً، ليس من باب الاختلاف الشخصي مع صاحبها، بل من باب مناقشة أثرها الفكري والسياسي على حاضر القضية الفلسطينية ومستقبلها.
في جوهر المسألة، يبرز تساؤل أساسي: هل الفصيل وُجد من أجل الوطن، أم أن الوطن وُجد من أجل الفصيل؟ منطق التاريخ والسياسة يؤكد أن الوطن هو الإطار الجامع الذي يحتوي الجميع، بينما تبقى الفصائل أدوات سياسية وتنظيمية نشأت للدفاع عن المصالح الوطنية وتحقيق تطلعات الشعب.
إن تقديم الفصيل على الوطن يقود إلى خلل خطير في ترتيب الأولويات، لأنه ينقل الولاء من المصلحة الوطنية العامة إلى دائرة الانتماء التنظيمي الضيق. وعندما يصبح الانتماء للفصيل مقدماً على الانتماء للوطن، تتراجع قيمة المواطنة وتضعف الهوية الوطنية الجامعة، لتفسح المجال أمام حالة من الاستقطاب والانقسام.
لقد دفعت الساحة الفلسطينية ثمناً باهظاً نتيجة تغليب الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية في كثير من المحطات التاريخية، الأمر الذي انعكس على وحدة الصف الداخلي وأضعف القدرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالشعب الفلسطيني.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الفصائل أو أدوارها السياسية والنضالية، فالفصائل جزء أصيل من مكونات الحياة الوطنية، ولها إسهامات كبيرة في مسيرة النضال الفلسطيني. لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في أن تكون بديلاً عن الوطن، بل في قدرتها على خدمته والدفاع عنه والعمل تحت مظلته الجامعة.
إن الوطن ليس تفصيلاً، والمواطن ليس هامشاً في معادلة السياسة، بل هما أساس الشرعية ومصدر المشروعية لأي مشروع سياسي أو تنظيمي. فالفصائل تتغير وتتبدل، أما الوطن فيبقى، والشعوب تستمر حتى بعد رحيل الأحزاب والتنظيمات.
في النهاية، لا يمكن بناء مشروع وطني متماسك إذا تحولت الفصائل إلى غاية بحد ذاتها. فالأوطان أكبر من التنظيمات، وأبقى من الأشخاص، وأوسع من أي انتماء حزبي. ويبقى المبدأ الأهم الذي يجب أن يحكم الحياة السياسية: الوطن أولاً، والمواطن دائماً، والفصيل في خدمة الاثنين، لا فوقهما.




