صوت وصورة

“العولة”.. تقليد يأبى الاندثار لدى العائلات الجزائرية

 

تقرير/ سناء بلال

 

تحرص ربات البيوت عبر مختلف ولايات الوطن على إستقبال موسم الشتاء، بتحضير عديد اللوازم بهذه الفترة لأجل مجابهة برد الشتاء، قائمة متنوعة من تلك المواد التي تدخل ضمن ما يعرف لدى المجتمع الجزائري ب” العولة” منها الفلفل، الطماطم المجففة، المشمش المجفف، كذلك يتم تحضير الزيتون وتصبيره الذي يتزامن موسم جنيه مع فصل الخريف، وقبل حلول موسم الشتاء تكون العديد من ربات البيوت قد حضرن الكسكس او ما يسمى في بعض المناطق “البربوشة” وبهذا تكون العديد من ربات البيوت قد ادخرن للشتاء طعام العائلة المفضل، في حين تعد المخللات على اختلافها ضمن أكثر المواد التي تدخر استعدادا لموسم الشتاء.

 العولة من العادات التي حرصت على تناقلها الجدات

تعد” العولة” من بين العادات التي حرصت على تناقلها الجدات خلال عقود من الزمن، لاسيما في المناطق المعزولة والتي يصعب على قاطنيها التنقل لجلب المواد الغذائية، وتفاديا لندرتها والحاجة إليها لمجابهة البرد، كذلك لتظهر النسوة شطارتهن وكيف يصبحن مسؤولات على ببوتهن خلال فترة العوز والحاجة، تعمل العديد من ربات البيوت وقت توافر الثوم والبصل على توفيرها بطرق تقليدية جدآ، اين يتم تعليقها للمحافظة عليها، في حين تقوم أخريات بتحضيرها بطرق قديمة متعددة تختلف من عائلة لأخرى، وإلى جانب ذلك يتم الاحتفاظ أيضا بالبقوليات التي تعرف استهلاكاً واسعاً في فصل الشتاء، في حين تعد المخللات على اختلافها ضمن أكثر المواد التي تدخر استعدادا لموسم الشتاء، من جهة أخرى تحضر الطماطم بتجفيفها أو تحويلها إلى صلصة تفادياً لكسادها واستهلاكها خلال إرتفاع ثمنها، حيث يصعب اقتنائها، وتضم أيضا رباب البيوت الى قائمة” العولة” الفلفل الذي يتم إما تجفيفه أو القيام برحيه أيضا والاحتفاظ به في علب زجاجية، كذلك تبدع ربات البيوت في تحضير وتصبير الزيتون الذي يتزامن موسم جنيه خلال هذه الفترة من فصل الخريف مع تحضير مربى الفواكه بكل أنواعه كل هذه التحضيرات تحرص ربات البيوت من خلالها على إستقبال موسم الشتاء لأجل مجابهة موجات البرد القارصة. أمثال شعبية ارتبطت بعادة العولة أمثال شعبية كثيرة ارتبطت بعادة العولة ولعل من أبرز هذه الأمثال التي قيلت في هذا الشأن” دار بلا عولة من حظ الغولة” أي أن المنزل الذي لا توجد فيه العولة تلتهمه” الغولة” فضلا عن أمثال أخرى” دار الفحلة عامرة، ودار الخايبة خالية” و “واللي ما عندها قرحة، ما عندها فرحة” و”اللي خبا من غذاه لعشاه، ما يشفي فيه عداه” وغيرها من الأمثال الشعبية التي كانت تؤكد على وجوب وضرورة إدخار الطعام او جمع العولة سيدات عاملات يهجرن العولة بعد ان كانت ربات البيوت قديما يفضلن العولة ويحضرنها بأيديهن، فقد اختلف الوضع في السنوات الأخيرة، بعد ان هجرت العديد من ربات البيوت العادة منذ زمن، وحجتهن في ذلك العمل وضيق الوقت، وكذا توفر كل شيء في المحلات التجارية، فالزمن تغير كثيراً، فالسيدات في الماضي كن حريصات على الإبداع والتفنن في الطبخ وفي الأعمال المنزلية، ولا شيء كان يطهى داخل مطابخهن الا وكان من صناعة أيديهن، اذ يأخذن كل المناسبات بعين الإعتبار، اما حالياً فنساء الجيل الحالي لا يكترثن بالعولة إطلاقاً، متحججات بأنهن ليس بصدد خوض حرب، وأن كل شيء متوفر في المحلات التجارية ويمكنهن الحصول على أي شيء في أي وقت فلماذا يتعبن أنفسهن، وفي مقابل هذا هناك العديد من السيدات العاملات من يحضرن العولة ولكن بأنامل غيرهن حيث يحرصن على إختيار سيدة معروفة بنظافتها وعملها ويطلبن منها أن تحضر لهن الكسكسي، والشخشوخة، والرشتة وما إلى ذلك.

ومع دخول المرأة العاملة سوق العمل، أصبح عليها أن توزان بين عملها ومسؤوليتها الأسرية، ومن أهم هذه المسؤوليات إعداد الطعام للأسرة وقد أصبح حفظ الطعام في المجمد من العادات المنتشرة وسط النساء العاملات مما يساعدهن على توفير الوقت والجهد في إعداد الطعام، اذا يمكن للمرأة العاملة تحضير الطعام في وقت مبكر، ثم تجميده الى حين الحاجة إليه، مما يوفر عليها الوقت والجهد في إعداد الطعام كل يوم.

الحاج عبد القادر: العولة كانت منقذنا الوحيد أيام الشدائد

يروي الحاج عبد القادر أنه لما كان صبيا أيام الثورة التحريرية ومع إستمرار تساقط الثلوج لشهر كاملا وانقطعت كل الطرق وانعزلوا في ببوتهم كان منقذهم الوحيد تلك العولة التي تم تخزينها في أيام الصحو، وفي مقدمتها “القمح” والكسكسي وكذا مواد التدفئة مثل الخشب والتبن، وغيرها من المأكولات التقليدية البسيطة التي تمنح الدفء والحرارة مضيفاً انه بفضل حنكة نساء تلك الفترة تجاوزوا تلك المحنة التي لم يكن فيها بالإمكان الخروج من المنزل نظراً لكثافة الثلوج، ويضيف الحاج عبد القادر أن تخزين المواد الغذائية تحسباً لأيام الشدة ضرورة لابد منها خاصةً في موسم الشتاء مع تحدي عوامل الطبيعة السيد عز الدين أستاذ في الثانوي العولة تعبير عن ذكاء الاحتياط لأيام الشدة وفي نفس السياق يوضح الأستاذ عز الدين أستاذ في الثانوي أن العولة نتاج حضارة طويلة إذ تعد تعبيراً عن ذكاء في الاحتياط لأيام الشدة، وهي تذكرنا كما يقول بزمن الجدات اللواتي كن يحتفلن بفتل الكسكسي أثناء الصيف في طقوس تشبه العيد وتجسد معاني وروح التضامن التي طبعت دائما علاقات الناس مع بعضهم البعض، كما يروي الأستاذ عبد القادر أنه كان يزور جده وجدته في ثمانينات القرن الماضي وكان الناس هناك يحتاطون جيداً لقدوم فصل الشتاء حين كانت الثلوج تمكث أكثر من شهر، محاصرة بيوت السكان الهشة في المناطق الجبلية حتى أنهم لم يكونوا يستطيعون الخروج من منازلهم الا انهم كانوا يحسنون التدبير في جمع العولة لأيام الشدة.

 الشابة كاتيا: نانا رحمها الله كانت تخبئ مؤونة العام في بيت خاص

تقول الشابة كاتيا كانت نانا رحمها الله احرص الناس على تخزين العولة وهذا انها تخبئ مؤونة العام في بيت خاص بها وتحتفظ دائما بمفاتيحها بحزامها كما تتصرف بمؤونتها وفقاً للحاجة وفي تدبير محكم، قائلة كانت نانا رحمها الله تستيقظ كل يوم في وقت صلاة الفجر وما أن نفرغ منها حتى تذهب إلى مخزنها أين ينتظرها قمحها لتعجن منه الكسرة ولا تلبث أن تحضر موقدها من حطب أخذ نصيبه الكافي من الشمس وهو جاهز ليشتعل من دون دخان، وبكلتا يديها التي رسم عليهما الزمن آثاره تضع كسرتها في الطاجين وتحركها من حين لآخر كما كانت تحرك الحطب لضمان استمرار اشتعاله، وحين تنتهي تأخذ الكسرة وتضعها في صينية نحاسية مخصصة لفطور أفراد الأسرة مصحوبة بحليب توفره البقرة الرابضة غير بعيد من المنزل وتقول كاتيا ان هذا الحنين أخذها لأجمل أيام الطفولة.

 حميدة/ ربة منزل: العولة ضرورة لمواجهة الغلاء

تتأسف السيدة حميدة ربة منزل على كون كل هذا التراث الجميل المبني على الاحتياط والمهارة في التدبير في طريقة إلى الاندثار نتيجة تعثر وتراجع نقل الموروث الحضاري من آلام إلى البنت، مشيرة إلى تقاليد الإنسان منذ وجوده على الأرض في مجال تخزين المواد وتقسيط استهلاكها على أيام السنة، وتوضح السيدة حميدة أن استعادة واسترجاع العمل بالعولة مع تكييفه الأكيد وفقاً للظروف الحالية لا يجب أن يعد ترفا أو مجرد حنين لماضي فات بقدر ما يعتبر ضرورة اقتصادية لمواجهة الحاجيات الاقتصادية الراهنة خصوصاً مع إرتفاع المعيشة وتدني القدرة الشرائية، وتتساءل ذات المتحدثة عما الذي يمنع العائلة الجزائرية الآن في ظل وجود الثلاجة والوسائل الحديثة للطهي والتخزين من الإقتصاد من خلال تخزين صحي لمواد غذائية مثل الطماطم والخضر في وقت الوفرة من أجل استهلاكها في وقت الندرة والغلاء مستطردة أن الكثير من العائلات الجزائرية تواصل انتهاج هذه العادة الحميدة وهي مستفيدة جدآ من مزاياها الأزمة تلد الهمة تجهيز العولة، في الأوقات الصعبة.

 الأزمة تلد الهمة

وتتفنن بعض النساء خصوصاً في الأماكن المعزولة في تحضيرها إما من القمح أو السميد، ومن الخضر المجففة الصالحة في أيام البرد خاصةً في المداشر والمناطق الجبلية، و خلال سوء الأحوال الجوية والظروف المناخية القاسية تلجأ الأسر إلى ما تم تخزينه من مواد أساسية للأيام العصيبة، خصوصاً عندما يواجه سكان القرى تساقط كميات هائلة من الثلوج والامطار، العولة هي من المواد التي تحضر من القمح أو السميد وتصبير الطماطم و الزيتون وبعض الخضر كمخللات، وغالباً ما تجتمع الأسر في الأرياف وتتعاون على تحضير عولة الدار مثل طحن القمح وفتل الكسكسي وصناعة مختلف أنواع العجائن و تخزينها مثل الشخشوخة والبركوكس وهناك بعض الأسر تعمل على تخزين الفلفل الأخضر وخلطه بالماء ليضاف إليه الخل، فضلا عن تحضير زيت الزيتون، واللافت خلال الأعوام الأخيرة عودة بعض الجزائريين لـ “العولة” وأرجع البعض هذا إلى ضعف القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، ما دفع العديد من العائلات الجزائرية الى تخزين بعض المواد التي يمكن اقتناؤها من المحلات التجارية بأسعار أقل قبيل حلول فصل الشتاء.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى