الجزائر
العدوان الأمريكي- الصهيوني على إيران.. عبرة لأولي الألباب

الدكتور محمد أرزقي فراد
◙ نظم حزب حركة مجتمع السلم في مقره الوطنيّ اليوم ( الأربعاء 11 مارس 2026م) ندوة سياسية حول العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وشرفني بدعوة للمشاركة، وهذا مجمل كلمتي في الموضوع.
حيثيات انتقال موازين القوى إلى أمريكا
◙ أودّ في البداية أن أشير إلى النقلة السياسية النوعية التي طرأت على السياسية الخارجية الأمريكية خلال مطلع القرن العشرين. وكانت قبل ذلك تسير على نهج سياسة العزلة وفق مبدأ الرئيس مونرو(أمريكا للأمريكيين)، إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث خرجت عن عزلتها من خلال مبادئ الرئيس ويلسون الأربعة عشر التي اقترحها في مؤتمر فرساي سنة 1918م، لنشر السلم في العالم، تركزت في مجملها حول تغليب الدبلوماسية، ونزع السلاح، وتأسيس عصبة الأمم، وحق تقرير المصير للشعوب المستعمرة، وحرية التجارة والملاحة البحرية. ويعد الرئيس الأمريكي ويلسون أوّل رئيس يغادر وطنه لزيارة أوروبا.
انتقلت موازين القوى عقب الحرب العالمية الثانية(1939- 1945م) التي دمّرت أوروبا، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، علما أنها قدمت دعما عسكريا للحلفاء أثناء الحرب، ثم استثمرت أموالا طائلة في إعادة إعمار أوروبا الغربية في إطار مشروع مارشال(13مليار دولار) ما بين 1948- 1952م، وبذلك صارت قوة عالمية تقود العالم مناصفة مع الاتحاد السوفياتي الذي شكّل كتلة شرقية تحت حماية حلف وارسو، في حين دخلت أوروبا الغربية تحت نفوذ أمريكا وحماية الحلف الأطلسيّ. هذا وقد تميّزت العلاقة بين المعسكرين بالتوتر وبالحرب الباردة عرفت تسابقا محموما نحو التسلح كاد أن يؤدي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة (قضية صواريخ كوبا). ومن النتائج الخطيرة التي تمخضت عن الحرب العالمية الثانية أيضا، تكريس اغتصاب فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني بدعم أمريكي وأوروبا الغربية، ليكون بمثابة قاعدة عسكرية للغرب في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالمحروقات.
انهيار الاتحاد السوفياتي .. وظهور الأحادية القطبية
◙ أدّى انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1989م إلى اختلال التوازن في العلاقات الدولية، كانت نتيجته بروز أحادية قطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت تصول وتجول في العالم دون رقيب بعد اختفاء عامل “توازن الرعب” إثر زوال حلف وارسو، وهو ما جعل الطريق مفتوحا لظاهرة “اللاقانون” في العلاقات الدولية، وقد جعلها الرئيس دونالد ترامب منهجا له.
◙ في خضم هذا التحول السياسيّ الخطير ظهر تيار فكري أمريكيّ بقيادة فرانسيس فوكو ياما، الذي روّج فكرة ” نهاية التاريخ” التي تعني انتصار الديمقراطية الليبرالية الأمريكية انتصارا أبديًّا. وصارت الولايات المتحدة الأمريكية تحت تأثير هذه الذهنية المتغطرسة، تنظر بعين العداوة إلى كل الدول الخارجة عن نفوذها ، خاصة في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي اعتدى على سيادة فنزويلا، وأبدى طمعه في احتلال جزيرة غرينلاند التابعة لدولة الدانمارك، وفرض رسوما جمركية جديدة غير قانونية على واردات أمريكا العالمية، كما فرض عقوبات اقتصادية على كل الدول التي ترفض الخضوع له، على غرار دولة إيران المعروفة بدعمها للقضية الفلسطينية وبجهودها الرامية لأن تصبح دولة إقليمية ذات نفوذ في منطقة الشرق الأوسط، خارج السيطرة الأمريكية.
تغليب منطق القوة على منطق القانون
◙ إن ما يلفت الانتباه في هذه الحرب العدوانية، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد استعملت المكر والخداع، إذ كان وفدا البلدين يتفاوضان حول برنامج إيران النووي عندما وقع الاعتداء، وهو ما يعتبر ضربة لمصداقية الدبلوماسية باعتبارها صمام أمان يقي الشعوب من ويلات الحروب.
◙ ممّا يستخلص أيضا من هذا العدوان السافر على دولة مستقلة ذات سيادة، هو أن الولايات المتحدة، قد ضربت بالقانون الدولي عرض الحائط، وداست على شرف هيئة الأمم المتحدة التي أنشأها الحلفاء المنتصرون على دول المحور(ألمانيا/ إيطالية/ اليابان) عقب الحرب العالمية الثانية، من أجل إبعاد شبح الحروب المدمّرة عن البشرية، وتغليب الجهود الدبلوماسية للنشر السلم في العالم. لكن المؤسف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أحلّ القوة، محل قوانين ميثاق الأمم المتحدة، فاتحا بذلك الطريق للفوضى في العلاقات الدولية.
◙ لقد تصرف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترامب” تصرفا جنونيا ينمّ عن طغيانه، علما أنه جاء إلى السلطة وهو يحمل وعدًا للشعب الأمريكي يقضي بإبعاد بلده عن مستنقعات الحروب التي مرّغت شرف أمريكا في الوحل، وكلفت شعبها أرواحا بشرية كثيرة. ولعل ما يؤكد تغوّل وتعسّف هذا الرئيس، أنه شنّ الحرب على إيران دون تفويض من الكونغرس الأمريكي الذي خوّله الدستور السلطة الحصرية لإعلان الحرب رسميا.
أهداف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
◙ يمكن إجمال أهداف العدوان الأمريكي/ الصهيوني في نقاط ثلاث:
1- حماية الكيان الصهيوني، باعتباره رأس الحربة للهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، تكملة لنجاح أمريكا في فرض سياسة التطبيع على العرب مع هذا الكيان.
2- السعي لتحجيم دور إيران الإقليمي، وإجهاض طموحها في أن تصبح دولة ذات نفوذ على غرار تركيا في الشرق الأوسط ، وتسعى أمريكا في هذا السياق إلى القضاء على برنامجها النووي.
3- محاصرة الصين وحرمانها من البترول الإيراني، بعد حرمانها من البترول الفنزويلي، لتدمير صناعتها المتنامية التي جعلتها هي القوّة التجارية الأولى في العالم، تشكل حوالي 15٪ من التجارة العالمية، وهذا ما يعتبر كابوسا يؤرق أمريكا.
انكسار الرئيس ترامب
◙ كان الرئيس ترامب يراهن على قيام انتفاضة شعبية بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، تعصف بالنظام السياسيّ القائم. لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر كما يقال، فوجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مأزق لا يحسد عليه، أمام صمود إيران ونجاحها في توجيه ضربات موجعة للمعتدين من خلال سياسة الاستنزاف، وفي إحداث أزمة بترولية تؤرق العالم قاطبة بعد غلق مضيق هُرمز.
◙ إن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران معضلة تهم العرب بالدرجة الأولى، لأن دولة إيران تشكل بعدا استراتيجيا للقضية العربية الجوهرية(قضية فلسطين)، أضف إلى ذلك أن هناك تداخلا حضاريا بين الفرس والعرب لا ينكره عاقل. ويندرج هذا العدوان الظالم ضمن الصراع بين الحق والباطل، والحق أحقّ أن يتّبع بصرف النظر عن هوية الضحية، صديقا كان أو غير صديق.
◙ هذا ويجب أن نضع في الحسبان الخطر الداهم، فلا شك أن الجزائر التي تشق طريقها نحو الرقي بإرادتها الحرة، تؤرق الامبريالية التي تنظر إلينا بعين السخط، ممّا جعلها تدرج دولتنا ضمن الدول المستهدفة في المستقبل، وهذا ما يستوجب منّا إعداد العدة اقتصاديا وأمنيا وعسكريا واجتماعيا لمواجهة أي طارئ، ولنا في التجربة الإيرانية المتميّزة بالاعتماد على النفس في كل المجالات، خير مثال نقتدى به. وتحضرني في هذا السياق مقولة المفكر العربي الماوردي ( القرن 10م) التي مفادها: « الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش». لذا يجب دعم الجبهة الداخلية وسدّ جميع المنافذ التي يحتمل أن تتسرب منها الامبريالية للاعتداء على الوطن المفدّى لا قدر الله.
◙ وإذا عدنا إلى ديوان العبر في سِفر التاريخ، فإننا سندرك أن عاقبة الطغيان هي الأفول والزوال، قال تعالى: [ وتلك القرى أهْلكناهُمْ لمّا ظلموا وجعلنا لمَهْلِكِهِم مّوعداً] الكهف: الآية 59 صدق الله العظيم.




