ثقافة وفن
الذكرى 61 لصدور أمر 10 يوليو 1965: العزيمة السياسية أقوى من الفراغ القانوني
الدكتور/ محمد خوجة -جامعة الجزائر-
شكّل انقلاب 19 جوان 1965 نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الجزائر المستقلة، إذ أزاح الرئيس أحمد بن بلة من الحكم ،وفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة بقيادة هواري بومدين. غير أن هذا التحول لم يأتِ عبر آليات دستورية مستقرة، بل حدث في سياق فراغ مؤسسي واضح: لا برلمان فاعل، ولا دستور ناظم لتوزيع السلطات.
وفي هذا السياق الاستثنائي صدر أمر 10 جويلية 1965، بوصفه نصًا إنتقاليًا منح الشرعية لمجلس الثورة، وجمع بين يديه السلطات العليا في الدولة، ليؤسس لنمط حكم غير مسبوق في الجزائر المستقلة.
1-فراغ مؤسسي ومرجعية ثورية
جاء أمر 10 جويلية 1965 ليملأ فراغًا سياسيًا وقانونيًا كان قائمًا بعد الإطاحة ببن بلة. وبدل العودة إلى شرعية دستورية تقليدية، اختار النظام الجديد تحت سلطة هواري بومدين مرجعية ثورية، تستند إلى مجلس الثورة باعتباره الهيئة العليا ،التي تتركز فيها السلطات التشريعية والتنفيذية والتنظيمية. وهكذا انتقلت الدولة من منطق الشرعية الدستورية المكتملة، إلى منطق الشرعية الثورية المركزية، حيث أصبحت “الإرادة الثورية” مصدرًا مباشرًا للقرار السياسي.
لم يكن مجلس الثورة هيئة رمزية أو استشارية، بل سلطة سيادية فعلية ،ضمت مزيجًا من القيادات العسكرية والمدنية، وتولت الإشراف على مختلف شؤون الحكم. وقد شكّل هذا الترتيب انتقالًا واضحًا من التعدد المؤسسي إلى مركزية القرار، في لحظة كانت الدولة الجزائرية فيها، بحاجة إلى الحسم أكثر من حاجتها إلى التوازنات الإجرائية.
2-حكم ثوري بلا دستور
إستمرت الجزائر نحو أحد عشر عامًا دون دستور، من جوان 1965 إلى نوفمبر 1976. وخلال هذه الفترة، غابت الآليات الكلاسيكية للفصل بين السلطات، ولم تكن هناك انتخابات تشريعية بالمعنى المؤسسي الكامل، كما لم يكن القضاء مستقلًا بالصيغة الليبرالية المعروفة. لكن هذا الغياب لم يؤدِّ إلى شلل في الدولة، بل رافقه نمط حكم شديد المركزية والفعالية، يستند إلى المراسيم والأوامر وإلى منطق تعبئة سياسية واسعة.
وقد اتسمت هذه المرحلة بقدرة عالية على إتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذها، بفضل قيادة سياسية امتلكت رؤية واضحة وأدوات فعل مباشرة، كما استفادت من مناخ تعبئة وطنية واسع، اعتبر أن بناء الدولة الوطنية يسبق الترتيبات الشكلية والاجرائية. كان بومدين قليل الكلام ولكنه موجود في قلب ميدان التسيير، لم يشكل الفراغ الدستوري أي ضعف او تردد في تنفيذ سياسة وطنية تنموية، الفراغ الدستوري شكل أداة انتقالية سمحت للنظام ،بتثبيت أركان الدولة في سياق إقليمي ودولي شديد الاضطراب.
مع إقرار دستور 1976 عبر الاستفتاء الشعبي، و تنظيم انتخابات تشريعية سنة 1977. انتقلت الجزائر من مرحلة “الحكم الثوري” إلى مرحلة “الحكم الدستوري”، لكن هذا الانتقال لم يمحُ المرجعية الأولى، بل أضاف إليها طبقة جديدة من الشرعية القانونية والمؤسساتية. وبقي أمر 10 جويلية 1965 لحظة تأسيسية، لأنه حدّد الإطار الذي بُنيت داخله الدولة خلال عقد كامل من التحول العميق.
3-إنجازات سياسية واقتصادية كبرى
رغم غياب الدستور والبرلمان، حققت الجزائر خلال هذه الفترة إنجازات استراتيجية كبيرة، خاصة في المجال الاقتصادي والسيادي. فقد جرى تأميم المناجم والقطاعات الحيوية، وإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني عبر مؤسسات عمومية قوية، أصبحت تتحكم في مفاصل أساسية من الدورة الاقتصادية. وكان ذلك جزءًا من مشروع أوسع، يهدف إلى دعم القرار الوطني، بعد عقود من التبعية الاستعمارية.
تحت مرجعية امر 10 جويلية اتخذت السلطة الثورية قرار التأميم الشهير للمحروقات في 24 فيفري 1971، وكانت لحظة مفصلية في تاريخ السيادة الجزائرية. فقد انتقلت السيطرة على الثروة النفطية والغازية من الشركات الأجنبية إلى الدولة الجزائرية ،بما أتاح لها هامشًا واسعًا من الاستقلال المالي والقرار الاقتصادي ولا تزال تأثيراته قائمة الى اليوم. هذا التأميم كان إعلانًا سياسيًا واضحًا ،بأن الثروة الوطنية يجب أن تكون في خدمة المشروع الوطني، لا في خدمة مراكز النفوذ الخارجي.
وفي المجال التنموي، شهدت الجزائر توسعًا ملحوظًا في مشاريع البنية التحتية: بناء السدود، توسيع الطرق، تطوير التعليم والصحة والسكن، وإطلاق برامج تحديث اقتصادي واجتماعي واسعة. وقد تحققت هذه النتائج عبر التخطيط المركزي والإرادة السياسية الصلبة، لا عبر منطق المزايدات الانتخابية أو التجاذب الحزبي.
4-الحضور الخارجي والوزن الدولي
بلغت هذه المرحلة أيضًا أوج الحضور الخارجي للجزائر. فقد تحولت الجزائر إلى فاعل مركزي في العالم الثالث وحركة عدم الانحياز، واستضافت القمة الثالثة للحركة سنة 1973، بما عزز مكانتها كصوت سياسي بارز للدول النامية. كما لعبت أدوارًا دبلوماسية مؤثرة في الوساطات الإقليمية، خاصة بين إيران والعراق سنة 1975، وفي ملفات إفريقية متعددة.
وفي سنة 1975، إستضافت الجزائر أيضًا القمة الأولى لمنظمة الأوبك، في إشارة إلى دورها المتزايد في إعادة توزيع القوة الاقتصادية عالميًا. أما خطاب هواري بومدين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974، فقد ظل من أبرز النصوص السياسية في تاريخ الجزائر، لما حمله من دفاع قوي عن السيادة الوطنية وحق الشعوب في التحكم في مواردها الطبيعية، وعن ضرورة إصلاح النظام الاقتصادي الدولي، بما يضمن قدرًا أكبر من العدالة للدول النامية.
لقد كانت الجزائر، في تلك المرحلة، أكثر من دولة ناشئة؛ كانت منصة سياسية للثورات التحررية وحركات المقاومة، وصوتًا وازنًا في معركة إعادة صياغة قواعد النظام الدولي.
5-العزيمة السياسية والفراغ القانوني
تقدم تجربة 10 جويلية 1965 درسًا مهمًا: أن الفعل السياسي أحيانًا يتقدم على البنية القانونية، وأن القيادة حين تمتلك رؤية واضحة وإرادة تنفيذية قوية، تستطيع أن تنجز تحولات كبرى، حتى في ظل فراغ دستوري مؤقت. غير أن هذا لا يعني أن القانون عديم القيمة، بل يعني أن القانون وحده لا يكفي ،إذا غابت عنه الإرادة السياسية والقدرة على الإنجاز.
نجاح الشرعية السياسية التي قام عليها أمر 10 جويلية 1965 ، إرتكز على عدة عناصر متداخلة:
-وضوح المشروع السياسي.
-تماسك الفريق القيادي.
-القدرة على التعبئة والتوجيه.
-إنخراط شعبي واسع في مشروع الدولة الوطنية.
بهذا المعنى، لم تكن الإنجازات نتيجة نصوص قانونية ومشاريع إعلامية، بقدر ما كانت ثمرة قرار سياسي حاسم، تُسانده شرعية نابعة من التحرير والبناء والاستقلال الاقتصادي.
ومع ذلك، فحدود الدرس الذي يعلمنا إياه أمر 10 جويلية ، لا ينبغي أن يطال تهميش القوانين و المؤسسات والاستحقاقات السياسية. فالفراغ القانوني الذي عرفته الجزائر في تلك المرحلة، كان استثناءً تاريخيًا فرضته ظروف انتقالية معقدة، لا نموذجًا مرجعيا للحكم. وقد استكمل النظام لاحقًا شرعيته الدستورية عبر دستور 1976 والانتخابات التي تلته، بما يؤكد أن العزيمة السياسية الناجحة تحتاج في النهاية ،إلى إطار مؤسسي يضمن الاستمرارية والتوازن.
الدرس الأعمق هنا ليس في المفاضلة بين السياسة والقانون، بل في ضرورة التكامل بينهما: فالعزيمة السياسية تحرك الدولة، لكن الإطار المؤسسي يحميها من الانغلاق والتفرد، ويمنحها الاستقرار على المدى الطويل.
يبقى أمر 10 جويلية 1965 وثيقة مفصلية في التاريخ السياسي الجزائري، ليس لأنه نص ديمقراطي بالمعنى الشكلي، بل لأنه جسّد لحظة تأسيس سياسية، قوامها الحسم والرؤية والقدرة على البناء. لقد أثبتت تلك المرحلة أن الشرعية لا تُختزل في الصياغات القانونية وحدها، بل تتغذى أيضًا من رؤية وطنية في التنمية و التحرر، والقدرة على الاستجابة لاحتياجات الأمة والانخراط الشعبي في المشروع الوطني.
وفي زمن تتراجع فيه ثقة الشعوب في كثير من المؤسسات، وتتعاظم فيه أسئلة الفاعلية والإنجاز، تظل التجربة الجزائرية في تلك المرحلة، مثالًا غنيًا على أن الدولة لا تُبنى بالنصوص والاستحقاقات وحدها، بل بالإرادة السياسية حين تقترن بالمشروع وبالقدرة على التنفيذ. وهذا هو الدرس التاريخي لأمر 10 جويلية 1965.




