الدكتور محمد شوقي الزين لموقع “24 ساعة”: لا نعيش عصر أفول الفلسفة بل هامشيتها!

حوار/ أحمد خيرالدين
يشتغل الدكتور محمد شوقي الزين، أستاذ الفلسفة بجامعة تلمسان، غرب الجزائر، على عدد من المشاريع المهمّة، أبرزُها انغماسُه في ترجمة عدد من الإصدارات الفلسفية من اللُّغة الفرنسية إلى اللُّغة العربية، لعلّ أهمّها سلسلة «الفلسفة في متناول الجميع» (في ستة أجزاء)، وهي للفيلسوفة الفرنسية لوران فانين. وبحسب الدكتور محمد شوقي الزين، فإنّ هذه السلسلة التعليميّة موجَّهة لتلاميذ الثانوية وطلبة الليسانس في الجامعة، وتهدف إلى سدّ النقص المسجّل في الكتب والمراجع لهذه الفئة من المتعلّمين.
في هذا الحوار الذي خصّ به موقع “24 ساعة”، يتحدث محمد شوقي الزين عن عدد من القضايا ذات العلاقة بالفلسفة، ودورها في الراهن التعليمي العربي.
ما موقع الفلسفة في المنظومات التعليمية في الجزائر، وفي العالم العربي؟
موقع الفلسفة في الجزائر والعالم العربي هو موقع «متردّد»، بين الدافع البراغماتي في أهمّيتها بالنسبة للبحث (المناهج، الحجاج والبرهان، الرؤية العقلانية، إلخ) والدافع الأيديولوجي الذي وصمها، منذ القديم وإلى اليوم، بالخروج عن التقاليد أو المروق من الدين. لم تجد الفلسفة موقعها، أي مكانها ومكانتها، سوى بصعوبة، والعلَّة في ذلك أن الروح النقدية التي تتحلَّى بها الفلسفة هي محط احتراس من الخطابات السائدة (مثل الخطاب السياسي والديني والإعلامي). بسبب تلك الروح النقدية والعقلانية التي تتعارض مع النزوع نحو السفسطة والمغالطة في الخطابات السَّائدة، هو الذي جعلها منحسرة المكان ومحسورة الآفاق. يصطدم «اللوغوس» (العقل) الذي ترفع لواءه الفلسفة مع «الباتوس» (العواطف والانفعالات) الذي يستثمره السياسي والديني في قيادة الجماهير. لذا، يقول أفلاطون في «الجمهورية» بأن «الجمهور يستحيل عليه أن يكون فيلسوفًا»، ليس لأن الفلسفة نخبوية أو هي مسألة فئة خاصَّة، بل لأن نوعية الخطاب الذي تدعو إليه وتتحجَّج به، هو خطاب العقل والميزان والتروّي، فيما الخطابات السائدة في المجتمع تستثمر في العواطف وتُهيّج الانفعالات وتوجّه الرأي العام. يُفسّر هذا الأمر الصعوبة التي تجدها الفلسفة في شق طريقها في المجتمع وتوزيع قيم النظر العقلي الرصين والبحث عن الحقيقة.
هل هناك حاجة اليوم إلى الفلسفة؟
نعم، لأن الرؤية الفلسفية للعالم من شأنها أن تُدرج الاعتدال والوُسع في عالمٍ استبدَّت به قيم الإسراف، والضيق الأيديولوجي، والاستعمال المفرط لأساليب الردع والقوَّة. نحن بحاجة إلى نظرٍ يتسلَّح بالصَّبر المفهومي ويقرأ الأحوال والوقائع من منظور الاعتدال والوُسع، الذي يدل في أوجهه القيمية والأخلاقية، التسامح والحوار، بما نحن كائنات ناطقة، أي عاقلة، تمجُّ الصراع النابع من الطبيعة الحيوانية والعدوانية. لكن ما نراه هو شيوع هذه الطبيعة الفظَّة في المجتمع (والتي أحسن هوبس وروسو ولوك تصويرها فلسفيًا) من عُنف وقمع وتعصُّب، بمعنى مضادَّات ما تدعو إليه الفلسفة من استعمال التعقُّل والرويَّة في درء الظنون والأحكام المسبقة وعوائق التنوير من جُبن وكسل (التي عدَّدها كانط)، وكل ما من شأنه أن يُعزّز الطبيعة العدوانية للبشر. الحاجة إلى الفلسفة هي في الوقت نفسه أخلاقية وعملية. لذا جرى الحديث عن «علاجيات الفلسفة» لمداواة ما اختلَّ في البشر وفقدوا بموجبه البوصلة والاعتدال.
أنت تشتغل كثيرا على ترجمة أعمال فلسفية مُهمّة إلى العربية، كمشتغل بالحقل الفلسفي ما أهمية ترجمة مثل تلك الأعمال إلى العربية؟
لا يمكن أن نترجم أيَّ شيء. لا بدَّ أن نختار حسب الأولويات والحاجات. مثلًا، سلسلة «الفلسفة في متناول الجميع» (في ستة أجزاء) التي أنا في صدد ترجمتها، وهي للفيلسوفة الفرنسية لوران فانين. فهي سلسلة تعليمية موجَّهة لتلاميذ الثانوية وطلبة الليسانس في الجامعة، نظرًا لنُقص الكتب التعليمية عندنا، في مستوى ما يستوعبه الجميع. تُلبّي السلسلة هذه الحاجة. لذا باشرتُ بترجمتها. الترجمة مهمَّة في السُّلم الحضاري، لأنَّا لا يمكن أن نتصوَّر الفلسفة بدون الترجمة، سواء أتكلَّمنا عن الترجمة بالمعنى المألوف في نقل الأعمال والروائع من لغة إلى أخرى أم عن الترجمة بمعنى نقل الأفكار والأحاسيس في الكلمات والألوان والإيقاع. في كل الأحوال، الترجمة هي عملية كامنة في الوجود البشري في العالم، بما هو وجود يُترجم الأفكار والكلمات ويسعى للبحث عن التكافؤ بين الأقوال والأحوال. إذا تقيَّدتُ بالمعنى المألوف للترجمة، وهي نقل النصوص الفلسفية من اللغات العالمية إلى اللسان العربي، يمكن القول بأنَّا في تأخُّر مُحبط ومُخزي. تكشف عدَّة تقارير نابعة عن المؤسسات الثقافية العربية كيف أن دولة أوروبية واحدة تترجم في العام أكثر مما تترجمه الدول العربية مجتمعةً. وكأنَّا قُمنا بمحو ذاكرة «بيت الحكمة» التي أسَّسها الخليفة المأمون لترجمة روائع التراث الإغريقي. وإن كانت الترجمة تحظى اليوم باهتمام متنامٍ، خصوصًا في دول الخليج التي خصَّصت لها دور نشر وجوائز، إلا أن الترجمة لا تزال تفتقر في العالم العربي إلى سياسة ثقافية تضطلع بمهامها الحضارية. فهي قليلة كميًّا وحسيرة نوعيًا، لأنَّا لسنا بمنأى عن أخطاء وهفوات في الترجمة، لأغراض مادّية حيث يتسرَّع المترجم في الترجمة للحصول على عوائد مالية. وتلك هي المصيبة، وهي أن الترجمة في آخر أولوياتنا في السُّلم الحضاري، والمترجم غير محصَّن قانونيًا وليست له مكانة اجتماعية، ومن ثمَّ ما يُترجَم في العالم العربي هو في الغالب للعيش بما يُترجَم. لذا، طالبنا بتأسيس «المجلس الأعلى للترجمة» في الجزائر ليكون تابعًا للرئاسة، أسوةً بذاكرة بيت الحكمة التي نبعت من إرادة الخليفة المأمون. هل سيتحقَّق ذلك؟ الوقت كفيل بالإجابة عن ذلك.
هل ترى أن الخلل في الاشتغال بالفلسفة فقط عندنا أم أن الاهتمام بكل حقول التفكير الاجتماعي هو ما ينقص المنظومات العلمية والتعليمية العربية؟
لا بدَّ من الاهتمام بكل الحقول المعرفية لتكون لنا نظرة واسعة للإنسان والمجتمع. تكامل المعارف هو ما يمكن أن تعوّل عليه كل سياسة تربوية وتعليمية، بمعنى إرساء الجسور والروابط بين العلوم والمعارف على أساس الحوار بين المتخصصين وتدعيم بحوثهم بمعطيات ومفاهيم مستوحاة من الحقول الأخرى. إحدى عوائق البحث العلمي هو ما يمكن تسميته بـ«التذرية»، أي تحويل الحقول المعرفية إلى ذرَّات منعزلة أو إلى أرخبيل من الجزر المتباعدة. كل تخصُّص ينغلق على ذاته ويضع بما يشبه الشرطة الأكاديمية في صدّ الأبواب في وجه كل من يريد إقامة جسور التكامل المعرفي. لذا، لا نجد عندنا ندوات مشتركة بين قسم الفلسفة وقسم العلوم أو كليات الحقوق أو الطب إلا نادرًا. من ثمَّ فإن معرفتنا بالإنسان والمجتمع هي ناقصة أو مجزَّأة بسبب انغلاق كل تخصُّص على ذاته، ورفضه الانفتاح على غيره من الحقول باسم المعرفة الدقيقة والمتخصّصة. وعليه، نفتقد إلى رؤية شاملة للموضوعات التي نتناولها بالبحث والدَّرس، لأنَّا نُجزّئها وننظر إليها من زاويتنا الحصرية، فلا تكشف من ثمَّ عن كل مضامينها ووعودها النظرية.
هناك بعض المبادرات الجمعوية (أتحدث هنا عن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية كمثال) في لملمة المجهود الفلسفي ودعم الباحثين في هذا المجال، كيف تنظر إلى مثل تلك المبادرات؟
مبادرات مهمَّة، من حيث أنها تنخرط في بث الروح النقدية والعقلانية في المجتمع. وإن لم يكن لهذه الجمعيات الفلسفية من نفوذ وموارد معتبرة، إلا أن الإرادة الفردية والجماعية وتكاتف الجهود أسهمت في إذاعة النظر العقلي ومدارسة القضايا الفلسفية الكبرى والمشكلات الاجتماعية والتربوية، بما تقيمه من أيام دراسية وملتقيات، وكذلك ورشات تعليمية لصالح التلاميذ والطلبة، ومنشورات من كتب ومجلات وأعمال الملتقيات. وجود هذه الجمعيات الفلسفية وغيرها من الجمعيات الثقافية والتربوية مهمّ لتفادي أن ينغلق المجتمع على ذاته أو أن تستبدَّ به قوى الانتكاس واليأس المضادَّة للتفكير النقدي والعقلاني. بل إن حضور هذه الجمعيات في المشهد الاجتماعي هو متنفَّس لأفراده بتعلُّم القراءة الواعية والهادفة للنصوص الفلسفية والروائع الثقافية والفنيَّة، وتعلُّم التفكير والبحث، والتفتيش عمَّا يُكمّل الذات ويُكوّنها نظريًا وعمليًا.
هل نعيش عصر أفول الفلسفة عالميا؟
لا أظن، والدليل على ذلك هو تنامي الاهتمام بالفلسفة عند الناشئة في الغرب وفي بعض الدول العربية لتعويدهم على التفكير الناقد وصناعة الحجج وحُسن استعمالها في السّياق. بل العكس، لم يكن عصرًا بحاجة إلى الفلسفة مثلما عليه العصر الحالي لاعتبارات متعدّدة، ذكرتُ البعض منها، وهي شيوع النوازع العدوانية من عُنف وتعصُّب وأزمات اجتماعية ونفسية واقتصادية. ربما لا نعيش عصر أفول الفلسفة، بل هامشيتها أو تهميشها. لأن قيم التفكير والتأمُّل والبحث العقلاني لا توائم النزوع نحو القوَّة والعدوان والتزمُّت التي تستثمر في الانفعالات وتُغيّب التعقُّل. إذا كان العالم تحكمه قوى السلطان المالي، والربح السريع، والصراع السياسي والدولي، فإنها قوى لا تسمع لصوت العقل، بل تسير وفق ما تُمليه عليها مصالحها ونفوذها. لكن لا يمكن لهذه القوى أن ترمي بنفسها إلى التهلكة عبر الصراع المدمّر. فهي بحاجة بين الحين والآخر إلى تصحيح ومراجعة تتفادى بهما الانهيار. ما تُوفّره الفلسفة من علاجيات وتصحيحات عبر النظر الرصين والتعقُّل يدخل في سياق إرساء الاعتدال في العالم ودرء الإسراف وغلبة القوى على بعضها البعض.
ما الذي يمكن أن تقدّمه الجامعة للتفكير الفلسفي خصوصا؟
هناك الكثير يمكن للجامعة أن تقدّمه للتفكير الفلسفي، وذلك بتعميمه على الحقول التي تتداخل معه من باب تكامل المعارف الذي تحدثتُ عنه من قبل، مثل الحقوق والقانون (الاستعمال الحجاجي والبرهاني بارز في القطاع)، والطب وعلم النفس (العلاجيات الفلسفية مهمَّة في هذا الميدان)، والعلوم التطبيقية (فلسفة العلوم ضرورية، وكل العلماء في الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا كان لهم اهتمام بالفلسفة)، والعلوم الإنسانية والاجتماعية (لا تتوانَ علوم النفس والاجتماع والتاريخ من اللجوء إلى الأفكار الفلسفية لتدعيم حقولها الخاصة). بالمقابل، للفلسفة الشيء الكثير تقدّمه للجامعة، وهي برامج ومناهج في تنظيم البحث العلمي، ونشر قيم التفكير الناقد، والروح التحليلية والتركيبية، وكيفية قراءة النصوص وفهم الوقائع وتأويل المعطيات، وهي كلها طرائق في البحث تتَّسم بالروح الفلسفية. الخدمات هي متبادلة بين الجامعة والفلسفة: يكمن الرهان من جانب الجامعة في تمكين التفلسف وتوطينه في الحقول المعرفية والمجالات العلمية، وتتراءى المبادرة من جانب الفلسفة في نفخ روح النقد والنظر والرويَّة في روع الباحثين وطُلاب العلم.
برأيك ما هي العوامل التي أدّت إلى انحسار دور الفلسفة جزائريا، وعربيا؟ وكيف السبيل إلى أن تستعيد الفلسفة وهجها؟

أتت النظرة الدونية للفلسفة من وجهين: 1. ادّعاء العلم بالاستغناء عن الأسئلة الفلسفية لأنه يُقدّم حلولًا عملية للبشر. لكن العلم هو سيف ذو حدّين: استعمالاته التقنية والبيولوجية والطبية مفيدة للبشر وقدَّمت الكثير من المنافع للبشرية، لكن استعمالاته الصراعية في تنامي القوة واندلاع الحروب بتمويل مشاريع التسليح هو وبال على البشرية. دروس الحربين العالميتين، وتهديدات السلم العالمي حاليًا هي بارزة لتذكّرنا بهذه الحقيقة؛ 2. هجوم الخطاب الديني على الفلسفة من باب التشهير والتسفيه والتكفير. وما أشبه اليوم بالأمس. نقرأ عند أحمد بن المقرّي التلمساني في «نفح الطيب من غُصن الأندلس الرطيب» ما يلي: «وكل العلوم لها عندهم [يقصد أهل الأندلس] حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظًّا عظيمًا عند خواصهم، ولا يُتظاهر بهما خوف العامة، فإنه كلما قيل “فلان يقرأ الفلسفة” أو “يشتغل بالتنجيم” أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيَّدت عليه أنفاسه، فإن زلَّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان» (ج1، ص221). لم يتغيَّر الشيء الكثير على مستوى الذهنيات وهو مقت الفلسفة بسبب ظنون متواترة ترى فيها حوم في الماورائيات وعدو الدين. لكن هذا اختزال فاحش وحُكم جائر. إذا لم يتغيَّر التصوُّر الجمعي تُجاه الفلسفة، فلأن المجال الديني لا يزال يُنظّم مساحات واسعة من المجتمع. لكن نعرف بأن ما يُنافس «الرؤية الدينية للعالم» التي تتحكَّم في تصوُّراتنا وسلوكياتنا اليوم في إقليمنا هو «الرؤية العلمية للعالم» في أقاليم أخرى، والتي ترى في الفلسفة النظرة العقلانية المساعدة في تنظيم المجتمع، وتطوير الاقتصاد والتجارة، والتفكير في أمور السياسة والتربية والمواطنة. أن تستعيد الفلسفة وهجها هو أن تتمفصل بالقضايا الإنسانية الكبرى، الطبية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية، وتُعيد التأمُّل في أدواتها وآلياتها في التفكير لتوجّهها نحو تفكير معمَّق، نظري وعملي في الوقت نفسه، لكل ما يشغل بال المجتمع. هكذا تُسهم عمليًا في تقديم حلول وعلاجيات لعاهات ومطبَّات تستبد بهذا المجتمع. وعليه، ليس صحيحًا أن الفلسفة هائمة في الماورائيات أو الاعتبارات الميتافيزيقية (وتصوُّرنا للميتافيزيقا هزيل ولا يزال أسير التصوُّر القديم)، بل لها روابط ذكيَّة بالحياة اليومية على جميع الأصعدة الحَضَرية (المدينة) والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.





شكرا لكم على اجراء هذا الحوار الممتع مع الفيلسوف الجزائري محمد شوقي الزين