ثقافة وفن

“التريند” صنم العصر الجديد.. نسيان الذات وعبادة “الرائج”

ميسوم صاروطي

في العصور الغابرة، كانت الشعوب تنحت أصناماً من الحجر أو الخشب لتسجد لها، تطلب منها القوة أو المدد، أما اليوم وفي خضم الرقمنة المتسارعة فقد تغيرت المادة وبقي المبدأ؛ لقد استبدلنا الحجر بخوارزميات صماء، وأصبح “التريند” هو الصنم الذي يطوف حوله الملايين، يترقبون إشاراته ويشكلون سلوكياتهم وأذواقهم وحتى مبادئهم وفقاً لما يمليه عليهم “الرائج”.

لم يعد التريند مجرد وسيلة للترفيه أو معرفة ما يدور في العالم، بل تحول إلى “سلطة ناعمة” تفرض قبضتها على الفضاء العام، هو مرآة تعكس القلق الجماعي؛ القلق من الغياب والخشية من أن نكون في “هامش” النسيان، في عالم يحكمه عدد الإعجابات والمشاهدات، أصبح الفرد يطرح سؤالاً وجودياً مشوهاً “كيف يراني الآخرون؟” بدلاً من “من أنا؟”.

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه والانخراط في التريند يمنحه شعوراً بالانتماء “للقبيلة الرقمية”، فمن يغرد خارج السرب أو يرفض الانصياع لما هو دارج، قد يجد نفسه منبوذاً أو “خارج التغطية”.

أصبح “التريند” طريقاً مختصراً (وغالباً زائفاً) للثراء والشهرة، هذا الوهم دفع الكثيرين إلى التخلي عن قيمهم وكسر حواجز الخصوصية وحتى افتعال الفضائح، فقط من أجل بضع دقائق من الضوء.

نحن لا نختار ما نرى؛ الخوارزميات هي التي تقرر ما يستحق اهتمامنا، إنها “تُهندس” ذائقتنا وتدفعنا للمقارنة المستمرة بين حياتنا الحقيقية وحيوات الآخرين “المصنوعة” خلف شاشات الهواتف.

حين تصبح القضايا المصيرية والتافهة في نفس المستوى من “الرواج”، يفقد المجتمع قدرته على ترتيب الأولويات، تصبح “قضية رأي عام” اليوم، منسية تماماً غداً، مما يفرغ الحوار المجتمعي من عمقه.

عندما يتحول الفرد إلى نسخة مكررة من الآخرين، يذوب الاختلاف وتندثر البصمة الشخصية، نصبح جميعاً نلبس، نأكل وحتى نتحدث بنفس الطريقة التي يفرضها “التريند” الأسبوعي.

كم من الوقت والجهد يُهدر في متابعة ومحاكاة تفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع؟، طاقات بشرية هائلة كان يمكن توجيهها للبناء والإبداع، تتبخر في فضاء “المحتوى السريع”.

التريند ليس شراً مطلقاً ففي جوهره هو أداة تقنية؛ لكن الخطر يكمن في تحويله إلى “غاية” بدلاً من أن يكون “وسيلة”، التحرر من هذا الصنم يبدأ بالوعي النقدي؛ أن تمتلك الجرأة لقول “لا” لما يفرضه عليك الجميع وأن تدرك أن قيمتك الحقيقية لا تقاس بعدد المتابعين، بل بمدى اتساقك مع ذاتك وقدرتك على التفكير خارج أطر الخوارزميات.

إن أعظم انتصار في عصر “النسخ المتكررة”، هو أن تظل أنت؛ بملامحك الخاصة وأفكارك المستقلة وذوقك الذي لم تشكله “تريندات” اللحظة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى