سياسة
الإسلاميون وتحدياتُ المئويةِ الثانية… بينَ السياسةِ ولُغةِ الخطاب

المستشار / د. أحمد يوسف
بعد قرابةِ قرنٍ من انطلاقةِ الحركات الإسلامية الحديثة، منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا عام 1928، تقفُ التياراتُ الإسلامية اليوم أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة؛ لحظةٍ تتجاوز سؤالَ البقاء إلى سؤالِ القدرة على التجدُّد، وتتجاوز فكرةَ المعارضة التقليدية إلى سؤالِ الكفاءة في إدارة الدولة والمجتمع والوعي السياسي. فالحركاتُ التي لا تُراجع خطابَها وأدواتَها قد تنجح في صناعة الأنصار، لكنها قد تعجز عن صناعة المستقبل، لأن الزمن تغيّر، والعالم تبدّلت أولوياته، والأجيال الجديدة لم تعد تُقنعها الشعارات وحدها، بل تبحث عن الحرية والعدالة والكرامة وفرص الحياة الكريمة.
لقد دخل الإسلاميون مئويتهم الثانية وهم يواجهون تحولاتٍ عميقةً في بنية الدولة الوطنية، وفي شكل النظام الدولي، وفي طبيعة المجتمعات العربية والإسلامية نفسها. كما أن التحدي لم يعد سياسيًا فقط، بل بات متعلقًا أيضًا بلغة الخطاب، وقدرته على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغةٍ تتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي والانغلاق التنظيمي.
أحد أكبر الإشكالات التي واجهت الحركات الإسلامية خلال العقود الماضية كان الانتقال من “ثقافة الجماعة” إلى “ثقافة الدولة”. فقد نجحت هذه الحركات في بناء قواعد شعبية واسعة، وفي ترسيخ حضورها الدعوي والاجتماعي، لكنها حين اقتربت من السلطة اكتشفت أن إدارة الدولة الحديثة لا تتم بالشعارات أو الحماسة التنظيمية وحدها، بل تحتاج إلى خبرة في الاقتصاد والإدارة والعلاقات الدولية والتوازنات الداخلية، وإلى فهم عميق لطبيعة الدولة ومؤسساتها وتعقيداتها.
وفي هذا السياق تبدو التجربة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية واحدةً من أهم التجارب التي حاولت التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. فقد أدركت النخبة التركية ذات الخلفية الإسلامية أن الصدام المباشر مع الدولة العميقة والعلمانية الصلبة لن يقود إلا إلى الإقصاء، ولذلك اختارت طريق التدرج السياسي، والانفتاح الاقتصادي، والحديث بلغة التنمية والإصلاح والإدارة الحديثة.
وقد استطاعت تركيا أن تحقق قفزات اقتصادية وصناعية كبيرة، وأن توسّع حضورها الإقليمي والدولي، كما قدمت نموذجًا للإسلاميين يقوم على البراغماتية السياسية واحترام العملية الديمقراطية وآليات الانتخابات. غير أن التجربة التركية لم تخلُ من ملاحظات وإشكالات، خاصة مع طول البقاء في السلطة، وما رافق ذلك من انتقادات تتعلق بالحريات العامة، واستقلال القضاء، وتصاعد النزعة الفردية في إدارة الحكم، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية التي ظهرت في السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، تبدو التجربة الجزائرية أكثر حذرًا وتعقيدًا، خاصة بعد أحداث التسعينيات وما تركته من جراح عميقة في الوعي الوطني الجزائري. ولهذا اختارت قطاعات واسعة من التيار الإسلامي هناك، خاصة في تجربة حركة مجتمع السلم التي ارتبطت بالشيخ محفوظ نحناح ثم شخصيات لاحقة مثل عبد الرزاق مقري، نهج المشاركة بدل المغالبة، والبحث عن مساحة للعمل السياسي من داخل النظام السياسي لا من خارجه.
وقد ساعد هذا الخيار على تجنيب الجزائر كثيرًا من الانقسامات، لكنه في المقابل جعل بعض الإسلاميين عرضة لانتقادات تتعلق بالتكيف المفرط مع السلطة، وفقدان القدرة على التأثير الحقيقي أو إحداث تغيير ملموس يشعر به الشارع الجزائري. وهنا يبرز السؤال الذي ما زال يلاحق أغلب الحركات الإسلامية: كيف يمكن الجمع بين الواقعية السياسية والحفاظ على روح المشروع الإصلاحي؟ وكيف يمكن ألا تتحول المشاركة في السلطة إلى مجرد اندماج كامل في المنظومة القائمة؟
أما على مستوى لغة الخطاب، فإن التحدي يبدو أكثر حساسية وخطورة. فالحركات الإسلامية نشأت في بيئات استعمارية وصراعية، وكانت لغة التعبئة والحشد والمظلومية جزءًا من تكوينها النفسي والسياسي. لكن عالم اليوم لم يعد يستجيب كثيرًا لهذه اللغة التقليدية، بل أصبح أكثر اهتمامًا بلغة التنمية والحقوق والحريات وبناء الإنسان.
ومن هنا تبرز أهمية التجربة الماليزية، خاصة في عهد مهاتير محمد، الذي قدّم نموذجًا مختلفًا في العلاقة بين الإسلام والتنمية. فقد انشغلت ماليزيا ببناء التعليم والصناعة والتكنولوجيا ومحاربة الفساد، وربطت بين القيم الإسلامية ومشروع النهضة الحضارية، بدل البقاء أسيرة الصراعات الأيديولوجية التقليدية.
واللافت أن أنور إبراهيم، رغم اختلاف الظروف والسياقات، ما زال يسير إلى حدٍّ كبير على ذات النهج الذي رسّخه مهاتير محمد، من حيث التركيز على التنمية والإصلاح المؤسسي، والانفتاح على العالم، ومحاولة تقديم خطاب إسلامي أكثر اعتدالًا ومرونة، يجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة المدنية الحديثة. وربما كانت خصوصية التجربة الماليزية أنها قدّمت الإسلام باعتباره طاقةً للنهوض الحضاري، لا مجرد أداة للصراع السياسي أو الاستقطاب الأيديولوجي.
أما في المغرب، فقد حاول حزب العدالة والتنمية بقيادة شخصيات مثل عبد الإله بن كيران أن يقدم خطابًا إصلاحيًا هادئًا، يقوم على العمل من داخل مؤسسات الدولة، والتعامل بمرونة مع طبيعة النظام السياسي المغربي. وقد نجح الحزب لفترة في بناء علاقة جيدة مع الشارع المغربي، مستفيدًا من لغة بسيطة وقريبة من الناس، وأقل توترًا أيديولوجيًا من تجارب أخرى.
لكن التجربة المغربية واجهت بدورها تحديات وانتكاسات، خاصة بعد شعور قطاعات من الرأي العام بأن سقف الإصلاح ظل محدودًا، وأن الحزب أصبح جزءًا من توازنات السلطة أكثر من كونه حاملًا لمشروع تغيير حقيقي. كما أن البقاء الطويل داخل المؤسسات الرسمية قد أفقد الخطاب الإسلامي شيئًا من حيويته ووهجه الشعبي.
وفي الحقيقة، لا توجد تجربة إسلامية كاملة أو معصومة من الأخطاء. فلكل تجربة إيجابياتها وسلبياتها، وظروفها الداخلية والإقليمية الخاصة بها. لكن ما يمكن ملاحظته أن الحركات الإسلامية التي نجحت نسبيًا في الاستمرار كانت تلك التي امتلكت قدرًا أعلى من المرونة السياسية، وقدرة أكبر على تطوير خطابها، والانفتاح على قضايا المجتمع والدولة الحديثة، بعيدًا عن الانغلاق التنظيمي أو اللغة الإقصائية.
لقد تغيّر العالم كثيرًا، ولم يعد السؤال المطروح على الإسلاميين: “هل أنتم مع الشريعة أم ضدها؟” بقدر ما أصبح السؤال: كيف ستديرون الاقتصاد؟ كيف ستحمون الحريات؟ كيف ستتعاملون مع التنوع الديني والسياسي والثقافي؟ وكيف ستقنعون الشباب بأن لديكم مشروعًا للمستقبل لا مجرد حنينٍ إلى الماضي؟
وهنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعات فكرية وسياسية عميقة داخل الحركات الإسلامية، مراجعات تعيد تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين التنظيم والدولة، وبين الهوية الوطنية والانتماء الحضاري، وتؤسس لخطاب أكثر إنسانية واتزانًا وقدرة على بناء الشراكات الوطنية.
فالمئوية الثانية للإسلاميين لن تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية، ولا بحجم الحشود الجماهيرية، بل بقدرتهم على إنتاج خطاب جديد، أكثر نضجًا وانفتاحًا، وعلى تقديم نموذج في الحكم والإدارة يوازن بين القيم الإسلامية وروح العصر، وبين الثوابت ومتطلبات الدولة الحديثة.




