الجزائر

استفتاء 1 يوليو 1962.. تأسيس الشرعية السيادية

البروفيسور/ محمد خوجة 
يمثل استفتاء 1 يوليو 1962 لحظة مفصلية وحاسمة في تاريخ الجزائر المعاصر، بوصفه اللحظة التأسيسية لاستعادة الدولة الوطنية. فقد جاء هذا الاستفتاء تنفيذًا لاتفاقيات إيفيان، ليمنح الجزائريين، بعد ثورة مسلحة إستثنائية، فرصة التعبير المباشر عن إرادتهم السيادية في تقرير مصيرهم، عبر خيار وجودي عميق في دلالته: استعادة السيادة الوطنية أو البقاء ضمن المنظومة الكولونيالية الفرنسية.
لم يجرِ هذا الاستفتاء في ظروف عادية، بل جاء في لحظة بالغة التعقيد والحساسية، تميزت بفراغ نسبي في السلطة، وتصاعد أعمال العنف الإرهابي التي مارستها منظمة الجيش السري الفرنسي  OAS  ،سعيًا لعرقلة المسار السلمي نحو الاستقلال، إضافة إلى موجة نزوح جماعي للمعمرين الأوروبيين (الأقدام السوداء). في ظل هذا السياق المضطرب، تكتسب نسبة المشاركة الاستثنائية، التي تجاوزت 91.88% من المسجلين، دلالة تاريخية بالغة العمق؛ فهي لا تعكس فقط حجم التعبئة الشعبية، بل تجسد أيضًا وعيًا جماعيًا ناضجًا ،وإصرارًا تاريخيًا على طي صفحة الاستعمار نهائيًا. لقد كان هذا الاستفتاء انتصارًا سياسيًا لإرادة الشعب الجزائري، تجاوز به كل محاولات فرنسا الكولونيالية وأذرعها المحلية، للإبقاء على الوجود الاستعماري بأي صيغة كانت.
تكمن الأهمية المركزية لهذا الاستفتاء في دلالته السياسية العميقة، إذ شكّل لحظة تحول جذري في بنية الشرعية السياسية للدولة الوطنية العائدة؛ فقد انتقلت مشروعية التمثيل من شرعية ثورية تجسدها جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، إلى شرعية شعبية معترف بها عبر آلية التصويت الجماعي الحر. وبذلك، لم يكن الاستفتاء مجرد إجراء انتخابي عادي، بل كان عملًا تأسيسيًا بامتياز، يمثل العودة المدنية للدولة الجزائرية الحديثة. فقد تكرّس الاستقلال ليس فقط كنتيجة حتمية للعمل  العسكري للثورة الجزائرية في الميدان، بل أيضا بخيار شعبي صريح، مؤطر قانونيًا ومعترف به دوليًا.
تميزت هذه العملية الانتخابية بدرجة عالية من المصداقية والشفافية، خاصة إذا ما قورنت بمراحل لاحقة من التجربة الانتخابية الجزائرية، وبنقيض تام مع الممارسات الانتخابية الزائفة التي طبعت الحقبة الاستعمارية، على غرار انتخابات 1948 المزورة. لقد جسدت صناديق الاقتراع في ذلك اليوم تعبيرًا حقيقيًا عن الإجماع الوطني، حيث توحّد الجزائريون بمختلف أطيافهم الاجتماعية ومناطقهم الجغرافية خلف خيار واحد جامع، وهو ما منح القيادة الثورية لاحقًا زخمًا سياسيًا وشعبيًا هائلاً لبناء الدولة ومؤسساتها الوليدة.
وعليه، فإن استفتاء تقرير المصير 1 يوليو 1962، في مدلوله ونتائجه، يتجاوز بكثير حدود كونه مجرد إجراء قانوني لتنفيذ اتفاق سياسي بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وفرنسا. إنه حدث تأسيسي جوهري في مسار عودة الدولة الوطنية، حيث التقت الشرعية الثورية بالشرعية الشعبية في لحظة واحدة، مما أضفى على استقلال الجزائر بعدًا سياسيًا ومؤسساتيًا ،يتجاوز منطق القوة العسكرية إلى منطق السيادة القانونية والشرعية الديمقراطية.
ومن اللافت أن يوم الخميس سيتكرر لاحقًا كموعد شبه ثابت لمعظم الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر المستقلة، باستثناءات محدودة. لكن مهما كانت دلالة هذه الرمزية الزمنية، يبقى عمق حدث 1 يوليو 1962 وقيمته التأسيسية بلا منازع، فهو يظل المرجعية التاريخية الأولى، التي تُقاس عليها كل تجربة انتخابية لاحقة في الجزائر، بوصفه اللحظة التي التقت فيها إرادة الشعب الجزائري بأكمله لتثبت عودة الدولة الوطنية.
وهكذا، يبقى إستفتاء 1 يوليو 1962 الشاهد التاريخي الأول الذي ثبّت، منذ لحظة استعادة الدولة الجزائرية المستقلة، حقيقة جوهرية لا تقبل المراجعة: أن الشعب الجزائري هو المالك الحصري للسيادة الوطنية، ومصدرها الأوحد والأخير. ومهما تعاقبت الحكومات، وتباينت السياسات، واختلفت الظروف، يظل هذا الحق ثابتًا لا يتزعزع، بوصفه الأساس الذي قامت عليه شرعية الدولة الجزائرية، والمرجعية التي تستمد منها كل سلطة لاحقة وجودها ومشروعيتها.
وإذا كانت أهمية هذا الحدث ونتائجه التاريخية معروفة ومجمعًا عليها، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التذكير ،بأن الوصول إلى هذه المحطة المفصلية وتنظيمها بنجاح لم يكن أمرًا بديهيًا، بل كان ثمرة جهود جبارة بذلها رجال جزائريون أبطال، تصدوا بشجاعة وكفاءة لموجة الإرهاب التي شنتها منظمة الجيش السري الفرنسي، واستطاعوا احتواء تأثيرها ولجم عملياتها التخريبية، وتوفير الشروط الأمنية واللوجستية الضرورية لإنجاح الاستفتاء في ظل ظروف بالغة الخطورة. وعلى رأس هؤلاء يُذكر بكل تقدير المرحوم شوقي مصطفاي، الذي أشرف من موقعه في السلطة التنفيذية المؤقتة (التي عُرفت بـ”روشي نوار) ،على كافة مراحل تنظيم هذا الاستحقاق التاريخي، ليكون بذلك أحد الرجال الذين ساهموا بصمت وفعالية، في صناعة لحظة استفتاء 1 يوليو 1962.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى