العالم
ارتدادات استقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي: “مريض عقلي سيقود الجيش الأمريكي العظيم إلى الدمار”

واشنطن: خاص
بعد ساعة واحدة فقط من إعلان استقالته، حذّر رئيس أركان الجيش الأمريكي في تصريح غير مسبوق من أن «مريضاً عقلياً سيقود الجيش الأمريكي العظيم إلى الدمار»، ما حدث لا يمكن قراءته كتصريح عابر في لحظة انفعال، بل كـمؤشر سياسي-عسكري ثقيل على ارتباك داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، فأن يخرج رئيس أركان الجيش -أحد أكثر المناصب انضباطًا وحذرًا في التعبير- بعد ساعة فقط من إعلان استقالته، ليحذّر من أن «مريضًا عقليًا سيقود الجيش الأمريكي العظيم إلى الدمار»، فذلك يعني أن ما يجري يتجاوز الخلافات التقليدية، ويدخل في نطاق أزمة قرار داخل بنية القيادة الأمريكية. هذا التصريح، بصيغته الحادة وغير المسبوقة، يعكس أولًا انكسار قواعد الصمت المؤسسي التي تحكم عادة كبار القادة العسكريين في الولايات المتحدة. فهؤلاء، حتى في لحظات الخلاف، يميلون إلى استخدام لغة دبلوماسية أو الإحالة إلى “تباين في التقدير”، لا إلى توصيفات صادمة مباشرة، تحمل هذا القدر من الاتهام. لذلك، فإن خروج هذا الصوت بهذا الشكل يوحي بأن الاستقالة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل نتيجة صدام عميق حول إدارة الحرب، وتقدير مخاطرها. في السياق الأوسع، يأتي هذا التطور بينما تخوض واشنطن مواجهة معقدة مع إيران، تتسم بغياب الحسم، وارتفاع كلفة العمليات، وتصاعد المخاطر غير المحسوبة، وهنا تحديدًا يقرأ محللون عسكريون هذا التصريح بوصفه انعكاسًا لثلاثة مستويات من القلق داخل المؤسسة العسكرية:
أولًا، القلق العملياتي: تشير التقديرات إلى أن مسرح العمليات الحالي -خاصة في ما يتعلق بالأجواء الإيرانية-لم يعد بيئة مريحة للقوات الأمريكية كما كان الحال في حروب سابقة، وتعثر “العملية العسكرية” في ايران لأسابيع، كلها مؤشرات على أن التفوق الجوي لم يعد مضمونًا او حاسما في هذه المعركة، وأن القرارات السياسية قد تدفع القوات إلى ميدان لا تملك فيه أفضلية مطلقة.
ثانيًا، القلق الاستراتيجي: يرى بعض الخبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في إدارة معركة محددة، بل في غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب، هل الهدف هو الردع؟ أم الاحتواء؟ أم تغيير موازين القوى؟ بعدما كان في البداية اسقاط النظام، فوثع ترامب وجنوده في وحل “فتح” مضيق هرمز، هذا الغموض، حين يقترن بتصعيد ميداني، يخلق ما يسميه العسكريون “فجوة بين الهدف والوسيلة”، وهي من أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة عسكرية. ثالثًا، القلق من تسييس القرار العسكري: التصريح الحاد يوحي، في قراءة عدد من المحللين، بأن القيادة العسكرية قد تشعر بأنها تُدفع إلى قرارات لا تنبع بالكامل من تقدير مهني، بل من اعتبارات سياسية أو شخصية. وهنا تحديدًا تكمن خطورة العبارة المستخدمة، لأنها تلمّح إلى أن القرار قد لا يكون خاضعًا للمنطق الاستراتيجي الصارم.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل الاستقالة عن مجريات الحرب. فالتاريخ العسكري الأمريكي يبيّن أن استقالات كبار القادة غالبًا ما ترتبط بلحظات مفصلية: تعثر ميداني، أو خلاف حول التصعيد، أو اعتراض على مسار سياسي. وبالتالي، فإن توقيت الاستقالة أو الإقالة-المتزامن مع تصاعد التوتر مع إيران-يعزز فرضية أننا أمام خلاف حول اتجاه الحرب نفسها، لا مجرد إدارة تفاصيلها. الأخطر من ذلك، أن هذا التصريح يمنح خصوم واشنطن مادة دعائية ثمينة، يقول محللون امريكيون، خاصة على مدى تماسك جبهتها الداخلية وصورة قيادتها.
وعندما يصدر هذا النوع من الكلام من داخل أعلى هرم عسكري، فإنه يضرب، ولو جزئيًا، صورة الانضباط والوحدة التي تحرص الولايات المتحدة على إظهارها أمام العالم. في المقابل، يحاول الخطاب الرسمي الأمريكي احتواء الموقف، عبر تقديم الاستقالة كجزء من دورة طبيعية، أو كقرار شخصي. غير أن هذا التفسير يصطدم بحدة التصريح، التي تجعل من الصعب فصله عن سياق أوسع من التوتر.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بما إذا كانت هذه الاستقالة ستؤثر مباشرة في مجرى العمليات العسكرية، لكن المؤكد أنها تكشف عن اهتزاز في مستوى الثقة داخل دوائر القرار. وفي لحظة حرب مفتوحة، قد يكون هذا الاهتزاز أخطر من أي خسارة ميدانية، لأنه يمسّ العنصر الأكثر حساسية في إدارة الصراع: وحدة القرار وصلابته.
وهنا، كما في قضية الطيار المفقود، لا يتعلق الأمر فقط بما يحدث في الميدان، بل بما يعكسه من تحولات أعمق، فإذا كانت الطائرة قد كشفت عن تحديات في السماء، فإن هذه الاستقالة تكشف عن شيء آخر: أن المعركة قد لا تكون فقط مع الخصم… بل أحيانًا داخل المؤسسة نفسها.




