ملف الساعة
إيران والولايات المتحدة : ملابسات القانون والواقع

الدكتور / وليد عبد الحي
تشير النظرة التاريخية الى العلاقات الإيرانية الامريكية في فترات حكم ترامب الأولى والثانية الى سيادة عدد من الابعاد هي:
أ- العداء الشديد : وهو ما يتضح في الضربات العسكرية المتبادلة والخنق الاقتصادي والتشويه السياسي والتغلغل الاستخباري وتحريض الحلفاء لكل جانب على المشاركة ضد الطرف الآخر والتهديد المتواصل …الخ.
ب- فقدان الثقة: كما هو في السياسة دائما ،حيث الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة، فترامب المحشو بالزهو والتعالي الموهوم ينظر الى ايران كدولة” تخفي اكثر مما تعلن، ولديها مبدأ التقية الديني “، وحوله وزير دفاع لا يرى ايران الا كامتداد لتنامي إسلامي لا يجب التعامل معه الا كحلقة من حلقات الحروب الصليبية الجديدة(وهو عنوان كتابه المنشور والذي عرضنا اهم محتوياته سابقا)، أما ايران فقد علمها الميدان الحربي والضربات المتلاحقة أولا، كما ان رصد واحدة من اهم صحف العالم(واشنطن بوست) لأكثر من ثلاثين الف وخمسمائة كذبة لترامب خلال اربع سنوات تجعل تصديقه امرا مستحيلا ، ناهيك عن شهادات ابرز علماء النفس الأمريكيين بان ترامب بنرجسيته الحادة والمرضية يكذب حتى على نفسه معتبرا ذلك نوعا من “الحنكة”، بينما هو يشبع نرجسيته التي لا تشبع من الاطراء .
ت- القدرة المتبادلة على الايذاء، من العسير غض الطرف عن الايذاء الاقتصادي الذي يقع على ايران منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي ، كما ان ضرباته العسكرية المفاجئة وحصاره لمضيق هرمز ،واحتجازه أموال ايران ..الخ شكلت ملمحا واضحا في العلاقة بين الطرفين، لكن ايران ساهمت بالمقابل في افساد اغلب مخططات ترامب من خلال اغلاق مضيق هرمز ،والتهديد بإغلاق باب المندب ناهيك عن استهدافها للقواعد الامريكية والحاق اذى كبير بها طبقا لما تسرب لاحقا، واستمرار غموض حدود برنامجها النووي.
ث- ادعاء الانتصار في كل جولة: من الواضح ان كلا من ايران وامريكا “تدعي وصلا بليلى”، ومن الصعب حتى الآن تحديد نسبة النصر لمن يدعي تحقيقه ، وما هي الأسس التي سيتم الحساب عليها، ووزن كل متغير من متغيرات معادلة النصر.
لكن كل ما سبق لا ينفي رغبة الطرفين في التفاوض ،وتظهر هذه الرغبة جلية أحيانا وعلى استحياء أحيانا أخرى، لكن تحليل التفاوض يجب ان لا يغفل انه يدور ضمن بيئة صنعتها الشواهد الأربعة السابقة، ويكفي التأمل في الآتي:
أولا: الحديث الجاري حاليا عن مرحلتين ، فهناك حديث عن ” مذكرة تفاهم”(Memorandum of Understanding ) أولية ،وآخر عن اتفاق ( Agreement) لاحق دون توضيح للصفة هل هو هذا ام : Treaty او Protocol أو Convention ؟
والاهم في هذه المصطلحات القانونية التفاوت في درجة “الالزام القانوني” لكل منها، بل أحيانا يتم التوصل لاتفاقات لكنها “غير ملزمة”. وهو ما يستوجب التدقيق في مدى ما سيتم الإعلان عنه مع شروط معاهدة فيينا الخاصة بقانون المعاهدات.
اما التفاهم فهو في مجمل استخداماته لا يُرتب التزاما قانونيا قابلا للمساءلة القضائية، ويبقى في دائرة تنظيم التعاون وتحديد المبادىْ العامة و ” النوايا ” المشتركة.
وحتى الآن لم نطلع على أي نص رسمي للتفاهم ولا نستطيع ان نبني تصورا على “الاتفاق اللاحق “بعد شهرين، والذي من المفترض ان يكون نقلا للتفاهم من زاويتين هما الانتقال الى الإجراءات ثم تحديد الالتزامات والنتائج المترتبة على الاخلال بتلك الالتزامات ، وهنا يحط الشيطان رحاله بين التفاصيل، وقد لا ننتقل من مرحلة التفاهم الى مرحلة الاتفاق.
فإذا انتقلنا من البعد القانوني الذي لا نراه الا انعكاسا للواقع الميداني ، يُطِلُ علينا البعد السياسي ، وهنا لا بد من التوقف عند بعض ما تم الحديث عنه.
ثانيا: هناك نص –على الأقل حسب ما تم نشره بخصوص مذكرة التفاهم- بان وقف اطلاق النار يشمل “كل الجبهات” وخاصة لبنان، وهنا اجد ان التخصيص يعني أولوية لبنان على غيرها من الجبهات والا لماذا التخصيص؟ ، وهنا اشعر ان هذه الصياغة تعطي هامشا فضفاضا لمدى شمول النص لغزة ولا يمنحها القدر من الالزام بنفس القدر للبنان، وهو ما ينطوي على احتمال إبقاء المجال مفتوحا لإسرائيل للإجهاز على ما تبقى من المقاومة في غزة ، وينطوي على طمأنة لإسرائيل بأن درجة الالتزام في غزة تأتي في مرتبة أدنى وقابلة للمناورة حولها.
كان من الضروري الآن- واكثر ضرورة عند صياغة الاتفاق في المرحلة اللاحقة- ان يتم التأكيد على وقف اطلاق النار في غزة والاشارة لها بالنص لا بعبارة” جميع وخاصة لبنان او بما فيها لبنان “، او ان يتم النص على الجميع دون تخصيص، وهذا اضعف الايمان.
ولا بد من مسالة أخرى، وهي التأكيد على أن ” القضية الفلسطينية هي سبب عدم الاستقرار في المنطقة وسبب كل ما يترتب على عدم الاستقرار هذا، لذا فان أولوية تسوية القضية الفلسطينية يجب ان تحظى بالأولوية ، فهي سبب كل الصراعات الشرق أوسطية تقريبا، فكيف نعالج النتيجة ونترك السبب؟ وهذه المسالة هي السائدة في الدوائر الصينية والروسية والأوروبية بل واغلب دول العالم، فلماذا يتم تغييبها في اللحظة الحاسمة؟
ان تغييب غزة من أي اتفاق يعني أولوية أسعار البترول على “الدم والمرض واليُتم والقهر والتعذيب والدمار والامراض والتشرد والاعتقال ” في غزة، وهو ما يفقد محور المقاومة “دلالات نشوئه، ولا بد من ان يتضمن الاتفاق إعادة اعمار القطاع وترك الفلسطينيين يقررون شؤونهم بأنفسهم لا ان يقررها ترامب بمجلس سلامه.
لا احد ينكر أهمية الموضوع النووي ، ولا رفع العقوبات، ولا إعادة الأموال المحجوزة، لكن تغييب غزة والموضوع الفلسطيني من النص الواضح الصريح في الاتفاق القادم يعني اظهار المحور وكأنه فقط “توظيف براغماتي ” لنيل ايران حقوقها، وهو ما اعتقد انه يسيء لإيران اكثر مما يخدمها، ولا اظن وبقوة ان ايران بنت هذا المحور للوصول لهذه النتيجة.
رغم ذلك كله، فان ما اشرنا له هو من باب التحذير لا أكثر ، فالنص لمذكرة التفاهم ما زال بين أخذ ورد ولم يتم نشر النص الكامل، والحديث عن مرحلة الاتفاق خلال شهرين يشي بأن وراء الاكمة الكثير ، فهل هناك رهان إسرائيلي على تحولات قادمة يمكنها من “تأويل النصوص” كما تشتهي وكما هي العادة، أم ان ايران تراهن على شيء ما ؟ فالسياسة نظام مفتوح على كل الاحتمالات…ويبدو ان العودة الإسرائيلية لمهاجمة الضاحية الجنوبية في بيروت هو محاولة “لتكريس موقف ” يمكن العودة له لاحقا، كما انه محاولة لجر ايران للرد وعرقلة المسار بخاصة ما يتعلق منه بلبنان.. فالاحتمالات كثيرة..
ان الاتفاق القادم- إذا وصلنا له- يجب ان يتضمن نصوصا صريحة على عقوبات المخالفة لبنوده، وهي أمور لا اظنها غائبة عن “الخبرة الإيرانية التفاوضية” بخاصة ان إسرائيل هي صاحبة أكبر عدد من التجاوزات ، ويكفي النظر في عدد الادانات لها في الأمم المتحدة والتي تجاوزت ثلاثة اضعاف مخالفات بقية دول العالم طبقا لسجلات المنظمات الدولية.
بالنسبة لإسرائيل ، لا أرى الامر الا من باب محاولتها فتح المجال لتشريد غزة عبر إطالة الحصار والتضييق واستغلال الظروف غير المحتملة عبر كل اجراء يخالف حتى الحد الأدنى من الحس الإنساني ، وافراغ اكبر قدر ممكن من سكان الضفة الغربية، وبناء مناطق عازلة حول إسرائيل في كل الجبهات ،ليكون ذلك مقدمة لإسرائيل الكبرى “الاقتصادية” إذا عجزت عن تحقيق إسرائيل الكبرى الجغرافية، أي الأخذ بتصور رابين وبيريز لا نيتنياهو وجنوده، وان لم يتجه الاتفاق الإيراني الأمريكي في اتجاه يلجم هذا التوجه ، فالكارثة قادمة.. قادمة..




