إيران والتخطيط الاستراتيجي

الدكتور / وليد عبد الحي
سأقتصر التناول في هذه المقالة في نطاق التخطيط الاستراتيجي الايراني على قطاع “الصناعات العسكرية “، فمن المعلوم أن ايران واجهت تحديين بعد قيام الثورة الإيرانية، الأول أنها في تلك اللحظة كان اعتمادها على التسلح على الولايات المتحدة بشكل شبه تام، وأدت الثورة الى فرض الحصار عليها، ولم تكن قد بنت علاقات حسنة مع الاتحاد السوفييتي، أما المتغير الثاني فكان الحرب العراقية الايرانية التي استمرت لحوالي 8 سنوات، وهو ما استنزف المخزون العسكري الإيراني بقدر كبير، ولم تكن ايران في تلك اللحظة قادرة على تبديل منظومة تسلحها العسكري، وهو ما أجبرها على التفكير بالتصنيع المحلي استنادا لتخطيط استراتيجي بعيد المدى، ومن هنا بدأ الرفع التدريجي لنسبة الانفاق على البحث العلمي من اجمالي الناتج المحلي، فهي تقع الآن ضمن أعلى فئة الدول المتوسطة، بمعدل يصل الى 0.79، ولكن تخطيطها يسعى للوصول بالنسبة الى 4% خلال العقد القادم، ولعل ذلك ما جعلها تقع في المرتبة 64 عالميا في مجال الابداع العلمي(GII ) عام 2024.
يحظى القطاع العسكري بأولوية في هذا المجال، وتشير معظم المراجع التي عدت لها الى أن نسبة الاكتفاء الذاتي الايراني في قطاعات التسلح (تصنيع محلي)، بلغت ما يلي:
1– 60-70% من أسلحتها ، مع تباين في النسبة لكل قطاع.
2– 95% في قطاع الصواريخ والطائرات المسيرة
3- – 75%لدبابات والمدرعات والمدفعية وذخائرها
4- – الدفاع الجوي 60% محلي بخاصة في مجال الرادارات مع بعض الاعتماد على تقليد انظمة روسية مثل S300)
5– الطيران الحربي يتم انتاجه محليا بنسبة 30%، وأغلبه طائرات تدريب أو تحديث لطائرات قديمة غربية أو روسية.
ومن الضروري توضيح أن مفهوم التصنيع المحلي يعني يختلف عن إعادة التجميع أو إعادة التصميم، فهو يعني أن نسبة المكونات والتقنيات في السلاح تمت محليا.
لكن ايران ما تزال دون مستوى ما يسمى “السيادة التقنية ” نظرا للفقر في الالكترونيات واشباه الموصلات والمحركات المتطورة، لكنها تعزز قدرتها الردعية من خلال التركيز على الصواريخ والطائرات المسيرة، وهنا تشير الدراسات الاستراتيجية الى الترابط بين نسبة الإنتاج العسكري المحلي والقدرة الردعية، لكنها تشترط لهذا الترابط بين البعدين “بالكيف “لا “بالكم”، وهو ما يتم اختصاره بمعادلة نسبة المكون المحلي الى القيمة الاستراتيجية للمنتج، وتدل دراسات المراكز الاستراتيجية أن النسبة بين المتغيرين هي من 0-1، وهو ما يشير الى أن ايران حققت القيم التالية في المعادلة التي أشرنا لها بين المكون المحلي والقدرة الاستراتيجية(الردع)::
الصواريخ الباليستية : 1
المسيرات الهجومية : 0.8
الدفاع الجوي : 0.7
الطيران المقاتل : 0.6
ودون الدخول في التفاصيل التقنية فان معدل القوة الردعية (الكفاءة التقنية +القدرة على الاستمرار في الانتاج المحلي +مجموع المحلي في اجمالي الناتج +القيمة الاستراتيجية للمنتج)، فإن إيران تقع ضمن الدول ذات القدرة الردعية العالية التي تصل الى ما بين 0.5-(0.6).. وتقوم إيران برفع نسبة الإنتاج المحلي في القطاعات العسكرية ذات القيمة الاستراتيجية الأعلى في القطاع الردعي، فمثلا طبقا لمعادلات SIPRI) فان كل رفع للمنتج المحلي 10% في الصواريخ يعادل تأثير أكثر بنسبة 35% لو كان الرفع في قطاع القوات البرية. ويبدو أن متغيرات أخرى تساهم في دعم نظرية الردع الايرانية مثل الحرب غير المتكافئة ومتغير الانتشار الجغرافي.
من جانب آخر، فان توسيع القدرة الإنتاجية المحلية تجعل الدولة أقل ارتهانا للابتزاز الخارجي، فشراء السلاح لا تقتصر أعباؤه على القيمة التقديرية بل على ربطه في أحيان كثيرة بشروط سياسية أو تحديد مجال استخدامه. ومن هنا أدركت ايران مركزية التخطيط العلمي، ويشير إيمانويل تودد المفكر الفرنسي الى أن 66% من الإيرانيين الذين يحصلون على الدكتوراه من الولايات المتحدة ينتمون لميادين الهندسة والعلوم الحديثة (وهي قطاعات مركزية في الصناعات العسكرية).
لكن هذه الاستراتيجية ما تزال تعاني من حجم العبء الدفاعي نظرا لاتساع قاعدة العداء بين بعض قطاعات الأقليات الإيرانية وفي البيئة الإقليمية المحاذية ناهيك عن العداء الغربي، وهو ما يجعل الحركة الإيرانية لا تسير باليسر المطلوب، لكنها أبدت قدرا من المرونة للتكيف مع هذه المعطيات رغم ثقل ذلك، بخاصة أن المعركة عسكرية (وأمنية بخاصة البعد الاستخباري الذي بدت فيه ايران أكثر هشاشة) والمعركة الاقتصادية والمعركة السياسية. ربما.




