ملف الساعة
إيران: من إسقاط النظام إلى زيادة تشدده

د. وليد عبد الحي/ الأردن
أجزم ان الخطة الإسرائيلية الامريكية ومن معها من وراء ستار كانت ولا تزال هي “اسقاط النظام الإيراني” ،فالبرنامج النووي الإيراني ،او بناء التحالفات والمحاور الإقليمية لإيران ، او تعزيز النفوذ الروسي والصيني في المنطقة هي نتائج لمنظور استراتيجي يتبناه النظام، وهو ما يعني ان الهدف ليس عرقلة هذه الابعاد بل اسقاط النظام لإسقاط كل ما يتبناه، وهو ما يشبه شماعة الملابس التي إنْ سقطت سقط كل ما هو معلق عليها، هذا هو الامل الذي يسعى له ترامب ونتنياهو. ويبدو ان الخطة الامريكية الغربية (ومن هم وراء ستار) كانت تقوم على ركائز محددة هي:
أ- تأزيم الوضع الداخلي في المجتمع الإيراني من خلال الحصار الاقتصادي، تأجيج الهويات الفرعية في القطاع الذي يقارب 45% من المجتمع من غير الفرس ، تعزيز المعارضة غير الرسمية من بقايا نظام الشاه او من بقايا يسار إسلامي موتور يتمركز في باريس وبعض مواقد المنطقة .
ب- اغتيال القيادات السياسية والعسكرية والعلمية على امل شل قدرات النظام على التخطيط القصير المدى بشكل أساسي ،وفتح الفرصة امام احتمال تناحر بين القيادات البديلة المحتملة ، وخلق قناعة بان النظام بلغ من الهشاشة قدرا يغوي لخلق بيئة مواتية لتحريك النقطة الأولى.
ت- تأجيج الإقليم ضد النظام من خلال نبش الثنائية التاريخية في التراث الإسلامي بين السنة والشيعة، او من خلال الحملات الإعلامية التي بلغت أحيانا حدا من السذاجة لتصوير ان الصراع بين أمريكا وإسرائيل مع ايران هو “مسرحية” وليس صراعا استراتيجيا حول من يتسيد الإقليم .
لكن هذه الاستراتيجية الغربية –ومن هم وراء ستار- لم تحقق اي قدر من النجاح في بلوغ غايتها الرئيسية وهي اسقاط شماعة النظام ، بل أدت لجعل كثير من الفرضيات التي بنيت عليها هذه الاستراتيجية موضع قدر كبير من التشكك، رغم تحقيق إسرائيل وامريكا قدرا من الاختراقات الأمنية لمرات متتالية التي شكلت ثقبا في الجدار الإيراني.
إن افضل قراءة لفهم بنية النظام الإيراني واستراتيجياته تكمن في فهم وتحديد السلطة المركزية في اتخاذ القرار الاستراتيجي، وفي تقديري من المتعذر فهم النظام الإيراني بمكوناته المركزية(المرشد والرئيس وحكومته ومجلس الشورى ومجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور ) دون فهم بنية مجلس الامن القومي الذي يمكن اعتباره هيئة اتخاذ القرار الاستراتيجي . يتكون مجلس الامن القومي الإيراني من 13 عضوا( تشرحه المادة 176 من الدستور)، ويمثل هؤلاء الأعضاء الاجنحة الثلاثة وهي القيادة السياسية(رئيس الجمهورية وهو نفسه رئيس المجلس ومعه رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية) لكن الأهم هنا هو ان هذه القيادة السياسية تضم ممثلا (او اكثر للمرشد الأعلى ويكون ممثل المرشد غالبا هو امين المجلس) والقيادة العسكرية( وتضم رئيس هيئة الأركان وقائد الجيش وقائد الحرس الثوري) والقيادة الأمنية (وتضم وزير الاستخبارات ووزير الداخلية ووزير الخارجية لتنظيم الربط بين الداخل والخارج في البعد الأمني) ، اما البعد الاقتصادي، فيمثله رئيس هيئة التخطيط والميزانية الى جانب مشاركة وزراء أحيانا ممن يكون الموضوع المطروح للنقاش يقع في دائرة الوزير المعني. وهنا لا بد من التنبه لقضية في غاية الأهمية، ان قرارات مجلس الامن القومي لا تصبح نافذة الا بعد موافقة المرشد عليها. ماذا يعني ذلك؟ ان مركز اتخاذ القرار يتمحور حول 3 قوى هي المرشد(من خلال ممثله) والحرس الثوري وامين المجلس ، والملاحظ ان الرد على التخطيط الأمريكي الإسرائيلي جاء من خلال:
أ- تنامي دور الحرس الثوري في اتخاذ القرار ، وهي هيئة تعد الأكثر تنظيما والاسرع في ملء فراغات القيادة ، لكنها أيضا الأكثر صدامية مع الخارج.
ب- تراجع وزن النخب الدبلوماسية بل والتكنوقراط في تراتبية هيئة اتخاذ القرار الاستراتيجي
ت- ان التعيين الجديد لأمين عام المجلس (محمد باقر ذو القدر) يشير بما لا يدع مجالا للشك بان دوره ليس مجرد التنسيق بل هو المدير الفعلي لصناعة القرار تمهيدا لاتخاذ القرار من قبل المرشد، فالمجلس يصنع القرار وبدائله والمرشد هو من يتخذ القرار. ذلك يعني ان الفترة القادمة تشير الى ان دور وزير الخارجية سيكون لا تقديم اقتراحات بل حمل قرارات مجلس الامن القومي والعمل على تنفيذها ، وهو ما يجعل المجلس “غرفة قيادة عسكرية امنية” وبالتالي تعزيز دور المرشد أكثر. ويترتب على ما سبق، ان مستقبل مركز القرار سيتجه نحو ثلاثة احتمالات لكل منها مؤشرات فرعية تتراوح اوزانها بين (1: ضعيف الى 5 : قوي جدا )، ودون الدخول في التفاصيل الفنية أرى ان التوجه سيكون على النحو التالي (للفترة الزمنية المباشرة):
1- الهيمنة الأمنية : مؤشراتها صعود واضح في حضور الحرس الثوري تعزز بتعيين محمد باقر ذو القدر ، قياس نسبة التعيينات من العسكريين في بنية السلطة، مشاركة الحرس الثوري في الملفات الخارجية بخاصة في الموضوعات النووية والإقليمية، وتراجع دور وزارة الخارجية وتزايد القرارات الأمنية على حساب القرارات الدبلوماسية( الاحتمال يتراوح بين 88-90%).
2- تراجع التوازن داخل المؤسسة اي تراجع وزن الدولة المدنية لصالح اتساع مشاركة القوى الخشنة، وتكون استقلالية الحكومة عالية في اتخاذ قراراتها “اليومية” مع دور فعلي للبرلمان والقضاء والتكنوقراط وظهور مبادرات ذاتية من وزارة الخارجية مع السماح بظهور قدر من الخلافات الداخلية العلنية( الاحتمال 60-65%)
3- احتكار القرار بقدر استبدادي، أي ان يصبح المرشد هو المستبد وتضعف المؤسسات لصالح دائرة نفوذه، وممثليه في مجلس الامن القومي، مع سرعة في اتخاذ القرار وغياب التعددية في عملية صنع القرار(الاحتمال من 35-40%) ومن الضروري الإشارة الى ان القرار في مجلس الامن القومي الإيراني يتم عادة (رغم عدم وجود نص في النظام الداخلي على كيفية التصويت) على أساس قاعدة التوافق (Consensus ) لا على أساس التصويت بالأغلبية ، وهو ما يجعل أعضاء المجلس حريصين على نجاح القرار، وهو نفس ما يجري في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني “التوافق النخبوي” (Elite Consensus).
اما في الولايات المتحدة ،فان المجلس يصنع القرار وبدائله بينما ينفرد الرئيس باتخاذه ، اما القرار في مجلس الامن القومي الاسرائيلي فيتم تقريبا عبر مرحلتين هما مرحلة صناعة القرار (يقوم بها مجلس الامن القومي) ومرحلة اتخاذ القرار يقوم بها الكابينت الامني وغالبا ما يكون رئيس الوزراء هو العامل الحاسم في اتخاذ القرار، ذلك يعني ان مجلس الامن القومي يتشابه في مركزيته رغم اختلاف بُنى النظم السياسية.
ذلك يعني اننا نرجح للفترة المباشرة القادمة الهيمنة الأمنية، وهو ما يعني ان السلوك الأمريكي الإسرائيلي –ومن هم وراء ستار- يغذي بقاء عدم الاستقرار ، بخاصة ان الطرف الإسرائيلي معني بتوريط اكبر عدد من الأطراف في الصراع ليخفف من اعبائه عن الكاهل الإسرائيلي…لكنه قد يدفع ايران الى التقدم خطوة نحو طرح علاقاتها بوكالة الطاقة النووية على الطاولة إذا اشتد الضغط عليها ،ولنا في كوريا الشمالية نموذج تاريخي . ان الفوضى التي يصنعها رئيس امريكي لا يميز بين الوطن والعقار ،ورئيس وزراء إسرائيلي مسكون بميتافيزيقيا الوعد الإلهي ، تواجههما دولة تتغذى بدورها على “الحجتية المنتظره المهدي المنتظر والممزوجة برومانسية الشهادة وشعور قومي بضرورة الحصول على مكانة افضل في سلم القوى الحضاري المعاصر”… فهل الاستقرار ممكن في بيئة كهذه؟
خذوا ربما معكم فلدي منها الكثير.




